الأحد، 30 سبتمبر، 2012

فيلمٌ آخر !!







مضى الآن قُرابة الأسبوعين على الفيلم الذي شهِد أحداثه كل العالم بلا استثناء، شريطه ما زال يتكرر أمام أعيننا؛ هناك سفيرٌ قُتِل، وفي تلك الحشود انجيل مُزِّق، وهنا مُمتلكاتٌ أحرِقت وعلى لسانه أمٌ بريئة قذفت!

احتجاجاتٌ ومقاطعاتٌ مُعممة، هائجة وغير مُرشدة. صنعنا الفيلم ورسمنا الأحداث كما أُريدَ لها أن تكون، ثم بعدَ كلِّ هذه الانفعالاتِ المتعددة، كما المشاهدِ المعتادة المُكررة، تعودُ الدمى لتخلد للسكون وكأن شيئاً لم يكون!

لو توقفنا قليلاً لنُعيدَ المشهد من بداية حدوثه، سنعرف عندئذٍ أبعادَ المشكلة والفلتات والأخطاء الجسيمة التي نحنُ الآن غارقون فيها.

قال الإمام أحمد ابن حنبل (لا تَردّوا على الشُّبهَة،فإنكّم بردكُم عليها تُحيونهاوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (أميتوا الباطل بالسكوت عنه، ولا تثرثروا فينتبه الشاتمون). عندما ننظر للواقع نجد أن الفيلم السيئ قبل أشهر من هذه الأحداث، عُرِض في أحد دور السينما لكنه لم يقبل لردائته - في المعايير التصويرية والانتاجية وغيرها - وكان مهمشاً حدَّ الموت؛ لا يكادُ يلتفتُ إليه أحد، لكن بمجردِ ضغطة زر على عالمنا العربي أصبحنا وبكل سهولة المروّج الأكبر لفيلمٍ ردئ دونَ مستوى التقييم, وكانت الاحصائياتُ تشير إلى أن 97% من المشاهدات من جانبنا!

أصبح الغضبُ يقودنا كقطيع من العميان فتحركنا وانتشلنا بأيدينا "الباطل" من حُفرته المظلمة التي كان يسكُنها لنُرشده نحوَ المجدِ والشهرة.
ثم سِرْنا كُتلةً واحدة داخل أوطاننا في ثورةِ الغضب، نقتل ونحرق ونشتم ونهدم ونسينا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال (ﻣَﻦْ ﻗَﺘَﻞ نفساً ﻣُﻌَﺎﻫَﺪًا ﻟَﻢْ ﻳَﺮِحْ رَاﺋِﺤَﺔَ اﻟْﺠَﻨﱠﺔِ) وقال عليه أفضل الصلاة والسلام (ﻟﻴﺲَ اﻟﻤﺆﻣِﻦُ ﺑِﻄَﻌّﺎن وﻻ ﻟﻌّﺎن وﻻ ﻓﺎﺣِﺶ وﻻ ﺑَﺬيء) وقال أيضاً (اﻟْﻤُﺴْﻠِﻢُ ﻣَﻦْ ﺳَﻠِﻢَ اﻟْﻤُﺴْﻠِﻤُﻮنَ ﻣِﻦ ِﻟِﺴَﺎﻧِﻪِ وَﻳَﺪِهِ)، فكيف ننصر رسول الله دون الاهتداء بشريعته وسنته؟!!

ما زالت الكاميرا ترصد الأحداث بصمت، ففي إحدى الزوايا وقفت مجموعةٌ تُنادي بالمقاطعة وأصدرت حكماً بالعموم، قاطعوا الغرب فإنهم قطعاً دنيئون!

وددتُ لو أعرف من أعطاهم الأحقية بوضعِ أحكامٍ مشوهة صارت تعميماً يطبق ويسود، وكأن كل نفسٍ ولدت في محيط الغرب قد أسائت للرسول!

يقول الباحث الإسلامي الأستاذ مُعِز مسعود : { الآخر "الغرب" ليسوا كُتلةً واحدة، فيهم مُنصفون نريدُ أن نكسبهم كما فعلَ رسول الله فكسب المنصفينَ من أهلِ قريش، ولنا في موقفه عليه السلام مع عمر ابن الخطاب يوم اسلامه خير مثال }.
ويقول الشيخ أسامة السيد الأزهري : { تعميمُ الميزان في التعامل مع المسيئ خطأ وهو خلاف المنهج الإلهي، نحنُ بحاجة إلى وضع "الغرب" تحت المجهر وأن نُكبّر المشهد، سنجد أن التفاصيل بدأت تتضح والفوارق ما بين الفئات والتوجهات بدأت تظهر، فنُحصي كم فريق وكم توجه قابل أن يتواصل معنا ويشعر معنا بنفس الغضب للإ
ساءة إلى مقدسٍ ما }.
ويكفينا في ذلك قول الحق تبارك وتعالى "ﻟَﻴْﺴُﻮاْ ﺳَﻮَاء ﻣﱢﻦْ أَﻫْﻞِ اﻟْﻜِﺘَﺎبِ أُﻣﱠﺔٌ ﻗَﺎﺋِﻤَﺔٌ ﻳَﺘْﻠُﻮنَ آﻳَﺎتِ اﻟﻠﱠﻪِ آﻧَﺎء َاﻟﻠﱠﻴْﻞِ وَﻫُﻢْ ﻳَﺴْﺠُﺪُون*ﻳُﺆْﻣِﻨُﻮنَ ﺑِﺎﻟﻠﱠﻪِ وَاﻟْﻴَﻮْمِ اﻵﺧِﺮِ وَﻳَﺄْﻣُﺮُونَ ﺑِﺎﻟْﻤَﻌْﺮُوفِ وَﻳَﻨْﻬَﻮْنَ ﻋَﻦ المُنكرِ ويُسَارِعُونَ في الخَيراتِ وأولئِكَ ﻣِﻦَ اﻟﺼﱠﺎﻟِﺤِﻴﻦ".
هذا الإرشاد والهدي الرباني الذي يجب أن نتبعه وأن نتحرر نهائياً من ثقافة التعميم والحكم على الآخر.

وليس هذا فحسب بل نحنُ نريد أن نتعلم من تجاربنا السابقة وألا نُكررَ الأخطاء ونَستنسِخ الوسائل ذاتها لمواجهة المشكلة ثم نتوقع الحصول على نتائج مختلفة!
يقول الأستاذ فاضل سليمان مدير مؤسسة جسور للتعريف بالإسلام : { أكبر خطأ وقعنا فيه هو المقاطعة للدنمارك، أستطيع أن أجزم أن معظم شعب الدنمارك كان معنا ضد الرسوم، لكننا قاطعنا جميع الدنماركيين ولم نحترم القاعدة القرآنية "
وَﻻَ ﻳَﺠْﺮِﻣَﻨﱠﻜُﻢْ ﺷَﻨَﺂنُ ﻗَﻮْمٍ ﻋَﻠَﻰ أَﻻﱠ ﺗَﻌْﺪِﻟُﻮاْ اﻋْﺪِﻟُﻮاْ ﻫُﻮَ أَﻗْﺮَبُ ﻟِﻠﺘﱠﻘْﻮَى"، كان يجب مقاطعة الشركات المعلنة في الجريدة المسيئة فقط، هكذا نحقق العدل ولن يُركّع صحفي إلا المعلن }.
  

تشربنا الغضب كثيراً فأعمانا عن النور والهدي النبوي الذي لم يُقابل يوماً الإساءة بالإساءة بل كان يُبين الحق صلى الله عليه وسلم بأنواره النبوية، ولم يغضب أو ينتصر يوماً لنفسه عليه الصلاة والسلام، وهو القائل لحسان بن ثابت عندما أمره بهجاءِ المشركين (إِنَّ رُوحَ القُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤيّدكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللّه ورَسُولِه).
نحن بحاجة لأن نعرف من هذا النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وأن نتلمس أنوار سنته ونهتدي بها ثم نهديها للعالم أجمع.
نستطيع أن نخاطب الآخر بالمواد العلمية والمؤلفات، من خلال الأدوات المتاحة ووسائل الإعلام وعبر الأفلام التعريفية بمختلف اللغات وبجهود مكثفة من جميع الجهات عبر جميع القنوات والوسائل وإقامة المؤسسات المخصصة لذلك حتى تظل الأصوات مسموعة دائماً دون توقف ويتردد صداها في كل وقت وكل أرض.

عن أبي الدرداء رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (
أنا حظكم من الأنبياء، وأنتم حظي من الأمم).




شهِدت سابقاً مشاهد الإساءة في الدنمارك، وكُنت وقتها -كالجميع- في موجة الغضب وباعتقادٍ خاطئ مني رأيت بأن المقاطعة هي الحل، وكما فعلنا جميعاً أرسلنا الحُكم بالإعدام لكل من كان أمامنا في العاصفة دون أن ندقق في التفاصيل، ربما يكون السبب عائداً جزئياً إلى بعض الثقافة الخاطئة التي تشربناها منذ الصغر وهي تقول لنا أن الخير "يخص" والشر "يعم"، لكن ذلك ليس مُبرراً لتصرفاتنا، وكان هذا ما دفعني لأن أقرأ وأبحث وأستمع لآراء من هم قدوة لنا من العلماء، والآن مع تكرار المشاهد المُتهجمة تحررت كُليةً من رد الفعل المُنتَسخ الذي يُتوقّعُ منا على الدوام، وسعيت للبحث أولاً عن الحقيقية لإبرازها، وكما قالت العرب قديماً (
رُبَّ إِثَارَة وَلّدتْ إِنَارَة.


هناك 4 تعليقات:

  1. مقال رائع للغاية
    أعجبت بكل كلمة كتبتيها اختي عائشة
    بارك الله فيك

    في موجة المقاطعات المعروفة , و التي تقريباً تنتج من عامة الشعب و ليس علمائها..
    تفكـرت في مقاطعة قوقل كما اتفقوا مقاطعته لمدة يومين !
    لما بالذات في هذه اليومين يقومون ببحث عن محمد صلى الله عليه وسلم ليعرفوه اكثر , واقصد هنا المسلمون انفسهم , ثم بعد ذلك يحاولون جاهدين نشــر سيرته صلى الله عليه وسلم
    حتى يعلموا و يعلّموا غيرهم من كان و كيف اصبحت أمته من بعده .

    الله يجزاك كل خير و أنـار الله قلبك وعقلك بالعلم.

    ردحذف
  2. الله ينور دربك وقلبك،
    شكراً عزيزتي على رأيك، وإضافتك الجميلة،
    بالنسبة لمقاطعة جوجل، أنا هنا لا أفتي بشئ ولكنني أتحدث عن قناعاتي الخاصة، فأنا لم أشارك في المقاطعة التي حصلت لأنني أرى أنه كان من الأفضل لو تم توجيه رد الفعل بطريقة أخرى أكثر وعياً، ماذا لو خصصنا اليومين أو حتى الأسبوع والشهر حتى نقوم جميعاً كيد واحدة بنشر مجموعة من مقاطع الفيديو للتعريف عن الرسول عبر نفس القناة التي نُشر من خلالها الإساءة وهي اليوتيوب فنحن لا نستطيع أن ننكر أهميتها كأداة إعلامية معاصرة،
    لكن عندما نعمم للجميع ثقافة المقاطعة في أوج الأحداث المتضاربة وكأننا نرسل رسالة للآخر بأننا عاجزون عن الرد بطريقة سليمة فنترككم كما أنتم وننسحب من المعركة،
    وفي النهاية لم نكسب شيئاً من المقاطعة كما أُشيع، فلو كانت ردودنا من زاوية مختلفة لربما جنينا ثماراً أفضل من ذلك.

    ردحذف
  3. بورك وعيك
    كنت متاكداً بأن لديك المزيد بداخلك
    كلي ثقة بأن وعيك الآن صار أكبر وآفاقك أوسع

    ردحذف
    الردود
    1. نتعلم من الحياة من أجل الحياة

      حذف