الأحد، 3 يناير، 2016

تذكرة مستعارة





في أواخر 2013 بدأت في الاهتمام بمجال التصميم وتعلم بعض أساسياته, لم أكن واثقة تماماً مما أفعله وكنت أتردد كثيراً في متابعة المسار, إلى أن رأيت إعلان لمسابقة تصميم شعار "جمعية الغد", لم أنجذب لها في البداية لكن حين عرفت من هم لجنة التحكيم تحمست كثيراً للمشاركة, وخاصةً تحمست لوجود الأستاذة خنساء أبوناجي والأستاذ خالد سالم وفكرت بأنها ستكون فرصة أن أعرض عملي عليهم لتقييمه, أحببت كثيراً فكرة أن أتحدى نفسي وأن أخوض تجربة جديدة في هذا المجال الذي لازلت إلى الآن أجهل الكثير عنه .. حاولت لوقت طويل الخروج بفكرة لكن لم أصل لنتيجة وحين قارب الموعد على الانتهاء أحسست باليأس وتوقفت, لكن أختي إيمان أصرت علي بمواصلة المحاولة حتى اللحظة الأخيرة, جلست على أرض الغرفة واللابتوب أمامي وبقيت أقلب الأشكال وأدمجها وأرسم هنا وهناك إلى أن جائتني الفكرة أخيراُ واستعنت ببشرى في الحصول على بعض النقد ومحاولة تعديل اللازم ثم سلمت المشاركة قبل انتهاء الموعد المحدد بيوم!


بعد تسليم الشعار غمرني شعور غريب بالثقة والإيمان رغم أنني لا أعلم من هم بقية المشاركين أو حتى عددهم .. انتظرت لعدة أسابيع ثم وصلتني رسالة إيميل تخبرني بأنني من ضمن الستة المرشحين لعرض الأعمال, لم أصدق نفسي كنت أقفز في كل مكان من شدة الفرح .. كان مقرراً عقد اللقاء في الرياض ولم أكن قد زرتها من قبل فأقنعت أحمد بالسفر معي وبقيت أمي قلقة بعض الشئ تسألني كيف سنسافر لمكان لا نعرفه ومن سيستقبلنا في المطار ومن سيهتم بتوصيلنا وكيف سنقضي أيام من رمضان بعيداً عنها وكيف سنتدبر إفطارنا وكل سؤال يمكن أن يخطر ببال الأم المهتمة جداً بأبنائها, وحين علِمت أنهم عرضوا علي فكرة المقابلة أونلاين -كوني الوحيدة من المرشحين من خارج الرياض- طلبت مني أن أقبل بهذا العرض لكنني أقنعتها بأنه غير ملائم بسبب ضعف الانترنت والتقطع المستمر للكهرباء وما إلى ذلك من أعذار وشرحت لها أنني مهتمة أكثر بالمقابلة وجهاً لوجه, وفي النهاية اطمئنت أكثر حين علمت أن أخي عبدالأمين سيقضي رمضان هناك هو وعائلته وأننا سنكون في ضيافتهم.
أخبروني بالموعد المحدد للقاء وحصل أنهم أخطأوا في كتابة التاريخ وكنت الوحيدة التي استلمت الرسالة بالتاريخ الخطأ! حجزت الرحلات على الموعد في الرسالة ولم أكن وقتها أملك المال لتسديد مبلغ التذاكر ولم أرغب بأن آخذ المال من راتب التقاعد حتى لا أضيق على أمي في المصاريف ولأنني أيضاً أحب الاعتماد على نفسي, كنت وقتها أعمل على تصميم شعار لإحدى العميلات على أمل أن أستلم المال لتغطية التكاليف لكنني لم أكن قد انتهيت من التصميم حين وصلتني الرسالة لذلك طلبت من أخي علي أن يعيرني بطاقته الفيزا لتسديد المبلغ وهكذا حصلت على تذاكري المستعارة!
قبل موعد الرحلة بأسبوع وصلتني رسالة تذكرنا بأن "مساء اليوم هو موعد عرض الأعمال!" لم أصدق الرسالة في البداية وتوقعتها مزحة من أهلي إلا أنني تأكدت بأن الرقم كان رقم المنسق, اتصلت عليه مباشرة وتناقشنا لساعات, اعتذر مني عن الخطأ وحاول اقناعي باستخدام "سكايب" لاجراء المقابلة إلا أنني أصريت على الحضور وأخبرته أنني سأحاول اللحاق بأقرب رحلة أو أنه يجب عليهم تغيير الموعد .. بحثت في الرحلات ولم أجد, كان من الصعب جداً الحصول على رحلة في نفس اليوم وبتوقيت مبكر, وبعد عدة مكالمات تم تغيير الموعد إلى التاريخ الذي حجزت عليه سابقاً .. بقيت أترقب الموعد وأنا متوجسة كنت أفكر بأنه ربما هناك خطأ آخر لم أنتبه له وهذه المرة لن أقدر على تصحيحه, لكنني في النهاية طردت عني هذه الأوهام وركزت على التجهيزات للرحلة.

حين وصلنا الرياض, كنت متحمسة جداً لهذه المدينة الجديدة أنظر في كل مكان أحاول ألا يفوتني شئ منها, استقبلنا أخي في المطار ثم انطلقنا إلى حيث يقيم وبقيت أتحدث مع بناته خلود ووعد لوقت متأخر وبعد يومين جائت بدرية لتضيف المتعة لأحاديثنا .. تحدثنا كثيراً وفي الأغلب عن المقابلة وعن الأماكن التي سنزورها, وضعنا خطة للمقابلة وقررت خلود مرافقتي حتى لاأبقى لوحدي في صالة الانتظار, راجعت معي ما سأقوله وفي الحقيقة لم أكن قد جهزت شيئاً لأقوله ولم أكن قد انتبهت لذلك إلا حين سألتني فبقينا ننسق الكلمات وكانت تطرح علي بعض الأسئلة العامة عن الفكرة والألوان والخط وما إلى ذلك, ورغم أننا الاثنتين لم نكن نملك خبرة كافية في المجال إلا أننا خرجنا في النهاية بنتيجة مقبولة.

حان الموعد, اتجهنا لقاعة الصفوة بمركز نيارة حيث كان في استقبالنا مجموعة شباب من الجنسية اللبنانية للترحيب بنا وإرشادنا لمدخل القاعة, كنت أقول لأخي هذا الترحيب لا يليق إلا بالأميرات "لسانهم معسول"! كنا تقريباً أول الواصلين وجلسنا في الصالة ننتظر البقية والشباب يعملون على تجهيز البوفيه, وصلت اللجنة وبعدهم اثنتين من المشاركات كان واضحاً عليهما الاحتراف وكانتا تتحدثان عن أمور في التصميم لم أفهمها, كنت أنظر لخلود بتعجب وهمست لها "شكلي غلط بينهم" .. جاء المنسق للتعرف علينا وحين أخبرته أنني عائشة فرح ورحب بي بشدة, ثم قال بأنني سأكون أول من سيعرض على اللجنة, كنت متوترة حين دخلت القاعة ورأيتهم أمامي, أخبرهم المنسق أنني جئت من جازان من أجل العرض, كانوا متفاجئين جداً وحين سمعت كلماتهم الترحيبية وحماسهم شعرت بالاطمئنان ومع ذلك كان قلبي ما يزال يدق بسرعة وبدأت العرض وأنا لا أزال أحمل بعض التوتر لكنني بعد دقائق انسجمت مع الشرح وذهب كل ما شعرت به .. بعد أن انتهيت من العرض بدأت اللجنة بطرح الأسئلة وأجبت على ما استطعت منها وبعضها كنت أخبرهم ببساطة أنني "لا أعرف", في المجمل أعجبوا بالفكرة وباختيار الألوان وامتدحوا العمل كونه أول تجربة حقيقية لي, أعطوني بعض الملاحظات وطلبوا مني العمل عليها ثم شكروني على الحضور وتقديم العرض .. خرجت من القاعة وأنا متفائلة وكنت أرغب في رؤية أعمال البقية لكن ذلك لم يكن متاحاً, عدنا للشقة واستمتعنا بوقتنا وقابلت بعد ذلك الأستاذة خنساء في احتفالية "القرقيعان" وأعطتني معلومات كثيرة تفيدني في المجال وفي البناء على الملاحظات التي قدمتها لي .. وبعد جولة سريعة في الرياض عدنا لجازان وبقيت لفترة على تواصل مع اللجنة المنسقة وسلمتهم العمل بعد التعديلات ثم انتظرت!

مرت تقريباً سنة ولم يصلني أي خبر أو رد على الإيميلات والرسائل التي أرسلتها, توقعت أنهم قد أتموا كل شئ واختاروا الفائز بدون إطلاعنا بالنتيجة كما يحصل في غالب المسابقات, فتوقفت عن السؤال وكنت قد أخبرت نفسي أنني حققت الهدف الذي سعيت من أجله وهو عرض العمل ولقاء اللجنة وهذا لوحده انتصار كبير بالنسبة لي.
في أوائل نوفمبر وصلني اتصال من مكتب سكرتيرة الأميرة نوف بنت فيصل, وقفت للحظات في مكاني لا أعرف سبب هذا الاتصال المفاجئ لأنني كنت قد نسيت تماماً أمر المسابقة, لكن عادت إلي ذاكرتي حين تلقيت المباركة من الأستاذة سوزان وتذكرت أن الأميرة هي رئيسة الجمعية. طلبت مني الحضور في اليوم التالي لمقابلة الأميرة وحين أخبرتها أنني لست من سكان الرياض قالت لي أن الإدارة ستتواصل معي .. أنهيت المكالمة وأنا لا أزال متسمرة في مكاني وحين استوعبت كل شئ صرخت بأعلى صوتي من أجل هذا الانتصار! بعد عشر دقائق تقريباً اتصلت الأميرة نوف لتهنئتي وسألتني بعض الأسئلة حول الشعار, كانت مسرورة جداً حين علمت أنني من جازان وأخبرتني أن "قافلة الغد" ستكون متواجدة في جازان وسيكون تدشين الشعار وتكريمي في هذا الحفل, ارتحت جداً حين عرفت أنني لست مضطرة للسفر لأنني وقتها كنت مشغولة بتجهيزات ملتقى بيهانس في جازان.
بعد أيام وصلتني الدعوات الخاصة من الأميرة وحين جاء موعد الحفل جمعت حولي كل الأشخاص الذين ساعدوني للوصول إلى هذه المرحلة وخصصت الدعوات لهم, وعندما تسلمت الجائزة من أمير المنطقة قال لي بأن هذا إنجاز رائع كوني الفائزة من بين 250 مشارك, صراحةً لم أعرف عن عدد المنافسين إلا في تلك اللحظة!

يالها من تجربة! وفي الحقيقة لم يكن هذا الفوز لي لوحدي بل كان فوزاً للجميع لأن كل واحد منهم شارك في تحقيقه ولا أظنه كان ممكناً لولا هذا الحب الذي غمروني به, كل ما قدموه لي كان بدافع الحب وهذا ماجعلني أواصل للنهاية, سأبقى ممتنة لهم جميعاً .. لأمي وأبي وأخوتي وأخواتي وبنات أخي الجميلات وللصديقة بشرى ولمعلمي وليد .. كل الحب لكم :*




*لمن يرغب بمشاهدة التصميم, هذا هو التصميم الذي تمت المشاركة به:
https://www.behance.net/gallery/24965643/_ 
وهنا الشعار والهوية التي تم اعتمادها وتدشينها في حفل القافلة بجازان:
https://www.behance.net/gallery/31809675/_ 

الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2015

امتلاء






ما زلت أتنفس ..
لكن أنفاسي هذا الصباح مثقلة
إنها مثقلة بالكلمات
داخلي ممتلئ بهذه الكلمات
لقد أصبحت متمردة .. لا يمكنني احتجازها أكثر
يكفي ..
أريدها أن تتحرر
إنني أطلقها مع أنفاسي
...
ها هي أصبحت طليقة .. أشعر بها في كل مكان
حولي ..
إنني أريدها أن تجد طريقها إليك
أن تسمعها ..
هل لك أن تسمعها؟
هل يمكن للهواء الذي يحيطني الآن أن يحيطك في المساء؟
لا أعلم .. ربما
إنه ممتلئ بي تماماً
سيبقى ممتلئاً بكلماتي
هذه الكلمات هي أنا
لكن .. 
لا أريدني حولي بعد الامتلاء
أريدني حولك
أن تمتلئ بي وامتلئ بك!

الأحد، 30 أغسطس، 2015

إنسان..!






أنا الصديق في أعين الأصدقاء ..
أنا العدو في أعين الأعداء ..
أنا القريب في أعين الأقرباء ..
أنا الغريب في أعين الغرباء ..
أنا شبيهك ونقيضك .. الفضيلة والرذيلة .. الخير والشر .. الحب والكراهية .. التناغم والاضطراب .. السكينة والصراع ..

أنا الذي جمعتني كل الأضداد دون أن أجمعها .. أنا من كل شئ وفيّ كل شئ .. أنا إنسان!



إن كنت لا تعرفني فلا تنظر إليّ بأعين من عرفوني .. إن هذه الأعين قد حصرت ذاتها في إطار معين من الزمان تضعه أمامها لكي تستطيع تعريف من وما حولها!

إن كنت تعرفني فلا تُعرّفني تبعاً لذكرياتنا الماضية ولا آمالنا القادمة .. اللحظة فقط قد تكون هي التعريف الأمثل للإنسان .. وحتى اللحظة بعد لحظات تعود لتصبح ذكرى ماضية .. لذا لا تتعب نفسك في اختيار التعريف .. التعريفات تقيّدنا .. تجعلنا عبيداً لها .. لا تستطيع معها الاستمتاع بالجمال الكامن في الإنسان الذي أمامك!

الاثنين، 2 مارس، 2015

تطوع







"أنا مع الحقيقة مهما كان من يقولها، وأنا مع العدل مهما كان من معه أو من ضده." - مالكوم إكس


في الأيام القليلة الأخيرة شهدت منطقة جازان الكثير من الأحداث الفارقة في مستقبلها بدايةً بإطلاق المنتدى الاقتصادي الأول وانتهاءاً بفعاليات إثراء الشباب الممتعة والمتفردة. وقد كان الشريك الأساسي لنجاح هذه الفعاليات هم شباب وشابات المنطقة المتمثلين في المتطوعين والمتطوعات, الذين خدموا المنطقة بكل ما وسعته أوقاتهم.

ولكي نفهم الدور الذي قاموا به علينا أولاً أن نتعرف على مفهوم التطوع من منظور عالمي.

أبسط تعريف للتطوع هو "تقديم ما تستطيعه Giving what you can" وبشكل أعمق فإن العمل التطوعي -كما عرّفته إحدى الجمعيات التطوعية في مدينة بريستول- هو "منح وقتك لقضية مهمة, لا تحصل من خلاله على مُرَتب ولكنك تحصل على فرصة لاستخدام مواهبك وتطوير مهارات جديدة واختبار المتعة التي تأتي من إحداث فرق حقيقي في حياة الآخرين أو حتى حياتك".


وبالتالي فإننا إذا نظرنا إلى المنتدى الاقتصادي فيمكننا القول بأنه قضية مهمة لاقتصاد المنطقة بشكل خاص وللمملكة بشكل عام, والمساعدة على إنجازه بأفضل صورة وخدمة رواده هو ما يدور حوله مفهوم التطوع. إن التجربة التي خاضها متطوعي ومتطوعات جازان كانت تجربة فريدة من نوعها كونها مُنَظمة من قبل واحدة من أكبر وأنجح الشركات في المملكة وهي أرامكو والتي تعتبر بيئة عمل تنظيمية إبداعية تحرص على أدق التفاصيل سواءً كعمل مؤسسي أو عمل تطوعي. هذه التجربة أكسبت الشباب والشابات العديد من الخبرات على مستوى التنظيم للفعاليات وإدارة العلاقات العامة والتعامل مع الجمهور وإدارة المحتوى الإعلامي وما إلى ذلك من الخبرات العملية التي قد لا تتوفر في كثير من بيئات العمل في المنطقة.

المنتدى خرج بالكثير من النتائج والخطط المستقبلية المشرقة والتي تداولتها جميع أنواع الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي ولكن الشئ الوحيد الذي تداوله "البعض" من أهالي المنطقة لم يكن حجم الجمال الذي وعدت به جازان وإنما حجم السوء الذي "عشعش" ونخر في عقولهم والذي أصبح كشريعة مقدسة لديهم, فلم يقدموا إلا سوء الظن الذي لا يعبر إلا عن نظرتهم السيئة ولم ينشغلوا إلا بتفسير النيات والبحث عن الزلات فيما يتعلق بالمتطوعات وعملهن في المنتدى.

مجتمعنا يثبت في كل مرة بأنه عدو للمرأة لدرجة أن المرأة أصبحت معادية لذاتها بتأييد ما يُقال عنها! وأثبت أيضاً بأن له نظرة قاصرة جداً عن التطوع وخاصةً فيما يتعلق بتطوع المرأة والذي تم وصفه بأنه "رفاهية" يمكن الاستغناء عنها. التطوع ليس رفاهية بل هو أسلوب حياة, هو العطاء الذي يمكن أن يقوم به أي شخص في أي مكان ولأي شئ وبأي أداة, التطوع يمكن أن يكون حتى بالكلمة كمثل المبادرات التطوعية لإثراء المحتوى التي تتركز على "ترجمة الكلمات".

علينا أن نوسّع نظرتنا وأنظارنا للعمل التطوعي حتى لا نكون جوقةً من العميان. علينا أن نفهم الحياة بكل أبعادها ونعرف أن ما بأيدينا ليس حِكر لجنس دون آخر. علينا أن نتأمل ونستخلص ونعرف الفوائد التي يمكن أن تنتجها مثل هذه الفعاليات حتى لا نكون مجتمعاً جاهلاً. علينا أن نفهم الدين بصورته الصحيحة ونطبقه بشكل صحيح بحيث لا نشكك في نوايا الآخرين ولا نفسر أهدافهم وتصرفاتهم تبعاً لأهوائنا وعواطفنا وألا نتداول ونُعمم مالا حقيقة له بظاهره أو باطنه حتى لا نكون من الفاسقين.

وأخيراً مهما يكن ما ومن شهدته فلا يمكنك القول عنه بأنه صحيح كلية أو خاطئ كلية لأن مهمتك هي أن تُحكّم ما بداخلك وتعمل على إصلاحه وليس أن تُحكم ما بداخل الآخر بظاهرٍ منك. الصواب والخطأ أمور نسبية وكذلك الخير والشر لذلك لم يُعطى الخير بالكلية للرجال مثلاً حتى يكونوا وحدهم المسؤولين عن عمارة الأرض ولم يُعطى الشر بالكلية للنساء ليتم نفيهن ووأدهن في قبور منازلهن.

نحن البشر عموماً نتكون من مزيج من المُتضادات, مزيج من الخير والشر, من النور والظلام, من الفضيلة والرذيلة, من الملاك والشيطان. وبرأيي أنك عندما تعبر عن استيائك من أحد المتضادات فإنك لا تعبر إلا عن استيائك من نفسك, وعندما تعبر عن استحسانك فإنك لا تعبر إلا عن استحسانك لنفسك. فاتجه لإصلاح نفسك قبل أن تُصلح العالم ولا تعتقد بأن هذه الأرض ملك لك أو لغيرك, المالك الله وهو من استخلفنا جميعاً من أجل تعميرها. وأنا كإمرأة لي دوري كما أنت كرجل لك دورك وكلاً منا يكمّل دور الآخر ولا يستنقصه ولا يعيبه.

الخميس، 1 يناير، 2015

هوية






" معظم الناس يُعرّفون بالآخرين, أفكارهم هي آراء شخصٍ آخر, حياتهم ليست إلا تقليد ومشاعرهم ليست إلا اقتباس" -أوسكار وايلد.



(هذه التدوينة أسجلها كختام للعام الماضي وكبداية للعام الجديد لأن فكرتها جاءت في الساعات الانتقالية بين العامين, بعد أن استمعت لحديث الدكتور سعيد السريحي في محاضرته التي ألقاها بالنادي الأدبي البارحة)


بدايةً أنا لم أعرف من هو السريحي ولم أحضر لأنني أريد الحضور للسريحي وإنما حضرت فقط لأن عنوان المحاضرة كان ملفتاً "البحث عن هوية في عالم مختلف" وبحكم اهتمامي بالهويات التجارية وتكوينها "Branding أو الإيسام" فقد حركني فضولي للذهاب لعلني أستطيع أن أصل لقاعدة معينة تربط بين تكوين هوية الفرد وتكوين هوية المؤسسة. قاعدة أستطيع أن أسير من خلالها بثبات وليس لأفرضها على الآخرين.

ما كان يجذبني في الشركات, العالمية منها قبل المحلية, هو قدرتها على الرسوخ والتجديد في ذات الوقت, قدرتها على جذب جمهور متعدد الطبقات والإتجاهات والأفكار, كنت أفكر بأن ما يجعلها موجودة بيننا لسنوات ولم تنقرض هو أنها تقف على رؤية وأهداف واضحة وأن العاملين لديها يتشاركون هذه الرؤية ويعملون على تحقيق الأهداف.

لا أذكر بوضوح الكلمات التي قالها الدكتور في ورقة العمل التي ألقاها لأنها كانت كلمات أدبية ثقيلة وعميقة ولست من أهل الاختصاص رغم أنني أحبذ مخاطبة الناس بلغة بسيطة,  فالحضور برأيي يجب أن لا ينحصر فقط على "الثقافيين" لأن الأفكار تتوالد وتترابط مع بعضها من أي سربٍ جاءت لذا كلما كانت اللغة بسيطة كلما جذبت عدد أكبر من الجماهير. مع ذلك فهمت تقريباً أغلب ما أراد أن يوصله لنا واستطعت الوصول لفكرة ربما تعطي مفهوم واضح للهوية أو بالأحرى رسوخها -على الأقل بالنسبة لي-

أي شئ في العالم يتكون من كليات تتخللها الجزئيات والتفرعات الثانوية, عندما ترسم الهوية بطريقة مرتكزة على الجزء ولنقل في هذه الحالة مثلاً القضايا الحقوقية -بما أننا نتحدث عن الهوية الفردية- فإن هذه الهوية تتشتت تماماً حتى وإن كانت تحمل بعض من الثبات بداخلها. لكن عندما يرسم الإنسان هويته تبعاً للكل فإن هويته تبقى ثابتة وفي ذات الوقت تتقبل كل جديد يأتيها, هذا الكل الذي يُعرف الهوية هو الغاية أو الهدف من الوجود وما دونه هو فروع ثانوية تتبعه, بمجرد يتحقق الكل يتحقق الجزء وتبقى الهوية متكاملة ومتجددة في آن معاً وهذا هو ما حققته الشركات على مستوى العالم بتركيزها أولاً على الأهداف لا الأحداث.

لا تدع أي شخص يُعرّفك, لا تتبع أحد, لا تتبع الاتجاهات والتيارات المتناثرة, أنصت لداخلك, افهم نفسك, حدد أهدافك, هدفك يُعرّفك, غايتك من الوجود هي هويتك, هويتك العالمية.

الأحد، 9 فبراير، 2014

خريطة!






"الناس يمنحون بعض المظاهر الثقافية الشكلية قيمة جوهرية ليست لها، فيظنون أن التغير في الملبس والمأكل والذوق الفني هو من الأشياء الخطيرة" -عبدالله الغذامي.



تخيل أنك في جزيرة تزورها لأول مرة في حياتك ولا تعرف عنها شيئاً سوى الخريطة التي تحملها بيدك. هذه الخريطة التي لديك تشير إلى كنز موجود في الجزيرة وأنت في الواقع قد جئت من أجله. حتى تستطيع الوصول إلى هذا الكنز ليس أمامك سوى خيارين إما أن تعتمد كلياً على شكلك وأناقتك التي في اعتقادك أنها سوف تُسعفك وتجعلك تقيم علاقات مع سكان الجزيرة لكي يرشدوك في النهاية إلى المكان الذي تريده أو أنك تبدأ بتحليل الخريطة وفهم جميع الطرق الموضحة عليها ثم بعد ذلك تختار الطريق الأفضل بينها جميعاً وتبدأ في سلوكه لتصل إلى مرادك. إذا كنت ستختار الخيار الأول فإنك وقتها سوف تدخل إلى متاهات كبيرة وقد تتعرض للنصب والاحتيال وهناك احتمالية كبيرة بأنك ستسلك العديد من الطرق الخاطئة في سبيل الوصول وربما قد لا تصل إليه!

القصة التي ذكرتها ليست إلا صورة تمثيلية للوسط الذي نحن فيه, أقصد الوسط الثقافي. الجزيرة تعبر عن هذا الوسط, الشخص الذي عليها هو المثقف, الخريطة تُمثل الثقافة, والطريق يُمثل الإدراك والكنز هو الوعي.
يقول راغب السرجاني: "أنت تقرأ لكي تستوعب كل كلمة تقرؤها، تقرأ كي تفيد وتستفيد، فالقراءة عملٌ عظيم، وليس لك من هذا العمل إلا ما عقلته". إذا كان الواحد منا يقرأ فقط لمجرد القراءة والحصول على مخزون أكبر من المعرفة فإنه إنما  يكون كمن يصنع قطاراً بمجموعة من العربات وينسى الماكينة الأساسية التي تجره وهو ما وصفه الدكتور مصطفى محمود بقوله: "قطار التطور لا يهم فيه عدد العربات التي يجرها إنما المهم هي الماكينه التي تجر, و هي ماكينة من سلندر واحد وهو (الوعي). إن الكثرة بدون وعي و بدون مادة (كثرة عاجزة)".

ولكن ما هو الوعي؟
الجميع تحدث عن الموضوع بإسهاب وبصورة عميقة دون الوصول إلى تعريف محدد وواضح للوعي, لذا سوف أقوم هنا بشرحه من منظوري البسيط الخاص بي وبإمكانكم البحث والتعمق أكثر إن رغبتم ذلك.
الوعي هو الحالة العقلية التي يصل إليها الإنسان بعد إدراكه (تطبيق + تكرار)  للمعرفة التي يملكها, تماماً كما في القصة.
ولنضع أمامنا هذه المعادلة البسيطة حتى يتضح المعنى بشكل أفضل:
معرفة + إدراك = وعي

من الطبيعي في أي معادلة أنه إذا اختلت المُدخلات التي لدينا فإننا لن نستطيع الحصول على المُخرجات المتوقعة, فإذا اختفت حالة المعرفة أو حالة الإدراك من المعادلة فلن تنتج لدينا حالة الوعي.

لماذا الحديث عن الوعي؟
يقول ديباك شوبرا: "الوعي هو الفيل الأبيض في الغرفة, تحتاج إلى الوعي لتأتي بنظرية, تحتاج إلى الوعي لتُصمم تجربة, تحتاج للوعي لتصنع مراقبة, العلم هو نسل الوعي, إنه نتاج الوعي".

الفئات الغالبة في المجتمع هي الفئات المُثقفة والمتعلمة في حين أن الفئة الواعية فئة قليلة جداً ولكنها هي التي تُحدث الفرق وهي التي تستطيع أن تصنع حضارة وتنهض بالأمة لأنها الفئة التي تفعل ما تقوله وليست التي تقول ما لا تفعله وهنا يكمن السر!

الأربعاء، 5 فبراير، 2014

قُل لي ~ أرني ~ أشركني!






"إذا استطعنا أن نُدرك أهمية المشاركة فإن الحياة ستغدو أسهل وأجمل, وسيكون مرور السنين مليئاً بالإنجازات".  -نايف الزريق.



قرأت قبل مدة كتاب "ألف اختراع واختراع" هذا الكتاب غني جداً بمعلومات مدهشة كنت أجهلها ويتحدث عن العديد من الشخصيات التي برزت في "العصر الذهبي" وعن الكثير من الإنجازات التي حققوها في ذلك العصر, طبعاً لم أخصص هذه التدوينة للحديث عن الكتاب فقد لا تكفي إن أردت أن أفعل ذلك, ولكنني ذكرته كبداية لأنني عندما كنت أقرأه أشعر وكأنه يتحدث إلي ويخبرني بكل تلك القصص والأحداث العظيمة وكنت أثناء قرائتي أتمنى فعلاً لو أستطيع رؤية تلك الآلات والإختراعات والترجمات التي كان يحدثني بها الكتاب, لذلك قمت بتخزين هذه الأمنية كفكرة داخل عقلي وكان تركيزي بشكل أكبر على بيت الحكمة بسبب اهتمامي بالترجمة.



قبل أسبوعين حظيت بتجربة مشابهة بعض الشئ لما كنت أتمناه وأتخيله وكان ذلك أثناء زيارتي لخيمة ألف اختراع واختراع في برنامج أرامكو لإثراء المعرفة, كنت متشوقة جداً لرؤية ما كنت أقرأ عنه. في البداية عُرض هذا الفيلم القصير:




ورغم أنني شاهدته مرات عديدة من قبل إلا أنني شعرت بمتعة أكبر وأنا أشاهده مع تلك المجموعة المتنوعة من الأشخاص حولي. بعدها توجهنا للتعرف على العلماء وملامسة شخصياتهم ومخترعاتهم, كان تجسيد الشخصيات والاختراعات مبهراً جداً, وبمقدار السعادة التي غمرتني بهذه التجربة الجميلة فقد غمرني الحزن أيضاً!

السبب في هذه المشاعر المختلطة هو أنه قبل خوضي لهذه التجربة كنت قد شاركت نادي القراءة بالجامعة في تكوين الأفكار لأحد الملتقيات التي ينوي النادي إقامتها. كان اسم الملتقى "بيت الحكمة". أحببت فكرة الملتقى كثيراً وكنت أقول لنفسي أنها جاءت في وقتها تماماً وسيكون في الإمكان تطبيق الفكرة التي راودتني سابقاً ولو بصورة مبسطة في حال لاقت الإستحسان. بدأت من فوري في عرض الفكرة وشرحها بشكل مبدأي في صورتها العامة "قل لي - أرني - أشركني" وقد أعجبتهم بالفعل أو هكذا بدا لي! الأمر المحزن في الموضوع هو أنه بعد مدة تم التخلي عن فكرة الملتقى وتبديلها بفكرة أخرى أجدها في الواقع أقل نفعاً وليس في الإمكان مقارنتها بما يمكن لبيت الحكمة توفيره لنا من تنوع لا متناهي من الأفكار. كلما أشاهد ما يذكرني بالملتقى أشعر بالأسى عليه, ربما التخلي عن فكرة عظيمة كهذه يعود إلى قلة الإيمان بها وبنفعها وهذه مصيبة بحد ذاتها, لكنه يبقى التفسير المنطقي الوحيد الذي استطعت الوصول إليه بعد تحليل الأسباب. لا أرغب بالتفكير في الفائدة التي كان من الممكن تقديمها لأن هذا الأمر لم يعد يجدي, ولكنني أتمنى أن يستطيع "بحلته الجديدة" توفير ولو جزء يسير من الفائدة الكلية!