‏إظهار الرسائل ذات التسميات تناهيد فكر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تناهيد فكر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 3 يناير 2016

تذكرة مستعارة





في أواخر 2013 بدأت في الاهتمام بمجال التصميم وتعلم بعض أساسياته, لم أكن واثقة تماماً مما أفعله وكنت أتردد كثيراً في متابعة المسار, إلى أن رأيت إعلان لمسابقة تصميم شعار "جمعية الغد", لم أنجذب لها في البداية لكن حين عرفت من هم لجنة التحكيم تحمست كثيراً للمشاركة, وخاصةً تحمست لوجود الأستاذة خنساء أبوناجي والأستاذ خالد سالم وفكرت بأنها ستكون فرصة أن أعرض عملي عليهم لتقييمه, أحببت كثيراً فكرة أن أتحدى نفسي وأن أخوض تجربة جديدة في هذا المجال الذي لازلت إلى الآن أجهل الكثير عنه .. حاولت لوقت طويل الخروج بفكرة لكن لم أصل لنتيجة وحين قارب الموعد على الانتهاء أحسست باليأس وتوقفت, لكن أختي إيمان أصرت علي بمواصلة المحاولة حتى اللحظة الأخيرة, جلست على أرض الغرفة واللابتوب أمامي وبقيت أقلب الأشكال وأدمجها وأرسم هنا وهناك إلى أن جائتني الفكرة أخيراُ واستعنت ببشرى في الحصول على بعض النقد ومحاولة تعديل اللازم ثم سلمت المشاركة قبل انتهاء الموعد المحدد بيوم!


بعد تسليم الشعار غمرني شعور غريب بالثقة والإيمان رغم أنني لا أعلم من هم بقية المشاركين أو حتى عددهم .. انتظرت لعدة أسابيع ثم وصلتني رسالة إيميل تخبرني بأنني من ضمن الستة المرشحين لعرض الأعمال, لم أصدق نفسي كنت أقفز في كل مكان من شدة الفرح .. كان مقرراً عقد اللقاء في الرياض ولم أكن قد زرتها من قبل فأقنعت أحمد بالسفر معي وبقيت أمي قلقة بعض الشئ تسألني كيف سنسافر لمكان لا نعرفه ومن سيستقبلنا في المطار ومن سيهتم بتوصيلنا وكيف سنقضي أيام من رمضان بعيداً عنها وكيف سنتدبر إفطارنا وكل سؤال يمكن أن يخطر ببال الأم المهتمة جداً بأبنائها, وحين علِمت أنهم عرضوا علي فكرة المقابلة أونلاين -كوني الوحيدة من المرشحين من خارج الرياض- طلبت مني أن أقبل بهذا العرض لكنني أقنعتها بأنه غير ملائم بسبب ضعف الانترنت والتقطع المستمر للكهرباء وما إلى ذلك من أعذار وشرحت لها أنني مهتمة أكثر بالمقابلة وجهاً لوجه, وفي النهاية اطمئنت أكثر حين علمت أن أخي عبدالأمين سيقضي رمضان هناك هو وعائلته وأننا سنكون في ضيافتهم.
أخبروني بالموعد المحدد للقاء وحصل أنهم أخطأوا في كتابة التاريخ وكنت الوحيدة التي استلمت الرسالة بالتاريخ الخطأ! حجزت الرحلات على الموعد في الرسالة ولم أكن وقتها أملك المال لتسديد مبلغ التذاكر ولم أرغب بأن آخذ المال من راتب التقاعد حتى لا أضيق على أمي في المصاريف ولأنني أيضاً أحب الاعتماد على نفسي, كنت وقتها أعمل على تصميم شعار لإحدى العميلات على أمل أن أستلم المال لتغطية التكاليف لكنني لم أكن قد انتهيت من التصميم حين وصلتني الرسالة لذلك طلبت من أخي علي أن يعيرني بطاقته الفيزا لتسديد المبلغ وهكذا حصلت على تذاكري المستعارة!
قبل موعد الرحلة بأسبوع وصلتني رسالة تذكرنا بأن "مساء اليوم هو موعد عرض الأعمال!" لم أصدق الرسالة في البداية وتوقعتها مزحة من أهلي إلا أنني تأكدت بأن الرقم كان رقم المنسق, اتصلت عليه مباشرة وتناقشنا لساعات, اعتذر مني عن الخطأ وحاول اقناعي باستخدام "سكايب" لاجراء المقابلة إلا أنني أصريت على الحضور وأخبرته أنني سأحاول اللحاق بأقرب رحلة أو أنه يجب عليهم تغيير الموعد .. بحثت في الرحلات ولم أجد, كان من الصعب جداً الحصول على رحلة في نفس اليوم وبتوقيت مبكر, وبعد عدة مكالمات تم تغيير الموعد إلى التاريخ الذي حجزت عليه سابقاً .. بقيت أترقب الموعد وأنا متوجسة كنت أفكر بأنه ربما هناك خطأ آخر لم أنتبه له وهذه المرة لن أقدر على تصحيحه, لكنني في النهاية طردت عني هذه الأوهام وركزت على التجهيزات للرحلة.

حين وصلنا الرياض, كنت متحمسة جداً لهذه المدينة الجديدة أنظر في كل مكان أحاول ألا يفوتني شئ منها, استقبلنا أخي في المطار ثم انطلقنا إلى حيث يقيم وبقيت أتحدث مع بناته خلود ووعد لوقت متأخر وبعد يومين جائت بدرية لتضيف المتعة لأحاديثنا .. تحدثنا كثيراً وفي الأغلب عن المقابلة وعن الأماكن التي سنزورها, وضعنا خطة للمقابلة وقررت خلود مرافقتي حتى لاأبقى لوحدي في صالة الانتظار, راجعت معي ما سأقوله وفي الحقيقة لم أكن قد جهزت شيئاً لأقوله ولم أكن قد انتبهت لذلك إلا حين سألتني فبقينا ننسق الكلمات وكانت تطرح علي بعض الأسئلة العامة عن الفكرة والألوان والخط وما إلى ذلك, ورغم أننا الاثنتين لم نكن نملك خبرة كافية في المجال إلا أننا خرجنا في النهاية بنتيجة مقبولة.

حان الموعد, اتجهنا لقاعة الصفوة بمركز نيارة حيث كان في استقبالنا مجموعة شباب من الجنسية اللبنانية للترحيب بنا وإرشادنا لمدخل القاعة, كنت أقول لأخي هذا الترحيب لا يليق إلا بالأميرات "لسانهم معسول"! كنا تقريباً أول الواصلين وجلسنا في الصالة ننتظر البقية والشباب يعملون على تجهيز البوفيه, وصلت اللجنة وبعدهم اثنتين من المشاركات كان واضحاً عليهما الاحتراف وكانتا تتحدثان عن أمور في التصميم لم أفهمها, كنت أنظر لخلود بتعجب وهمست لها "شكلي غلط بينهم" .. جاء المنسق للتعرف علينا وحين أخبرته أنني عائشة فرح ورحب بي بشدة, ثم قال بأنني سأكون أول من سيعرض على اللجنة, كنت متوترة حين دخلت القاعة ورأيتهم أمامي, أخبرهم المنسق أنني جئت من جازان من أجل العرض, كانوا متفاجئين جداً وحين سمعت كلماتهم الترحيبية وحماسهم شعرت بالاطمئنان ومع ذلك كان قلبي ما يزال يدق بسرعة وبدأت العرض وأنا لا أزال أحمل بعض التوتر لكنني بعد دقائق انسجمت مع الشرح وذهب كل ما شعرت به .. بعد أن انتهيت من العرض بدأت اللجنة بطرح الأسئلة وأجبت على ما استطعت منها وبعضها كنت أخبرهم ببساطة أنني "لا أعرف", في المجمل أعجبوا بالفكرة وباختيار الألوان وامتدحوا العمل كونه أول تجربة حقيقية لي, أعطوني بعض الملاحظات وطلبوا مني العمل عليها ثم شكروني على الحضور وتقديم العرض .. خرجت من القاعة وأنا متفائلة وكنت أرغب في رؤية أعمال البقية لكن ذلك لم يكن متاحاً, عدنا للشقة واستمتعنا بوقتنا وقابلت بعد ذلك الأستاذة خنساء في احتفالية "القرقيعان" وأعطتني معلومات كثيرة تفيدني في المجال وفي البناء على الملاحظات التي قدمتها لي .. وبعد جولة سريعة في الرياض عدنا لجازان وبقيت لفترة على تواصل مع اللجنة المنسقة وسلمتهم العمل بعد التعديلات ثم انتظرت!

مرت تقريباً سنة ولم يصلني أي خبر أو رد على الإيميلات والرسائل التي أرسلتها, توقعت أنهم قد أتموا كل شئ واختاروا الفائز بدون إطلاعنا بالنتيجة كما يحصل في غالب المسابقات, فتوقفت عن السؤال وكنت قد أخبرت نفسي أنني حققت الهدف الذي سعيت من أجله وهو عرض العمل ولقاء اللجنة وهذا لوحده انتصار كبير بالنسبة لي.
في أوائل نوفمبر وصلني اتصال من مكتب سكرتيرة الأميرة نوف بنت فيصل, وقفت للحظات في مكاني لا أعرف سبب هذا الاتصال المفاجئ لأنني كنت قد نسيت تماماً أمر المسابقة, لكن عادت إلي ذاكرتي حين تلقيت المباركة من الأستاذة سوزان وتذكرت أن الأميرة هي رئيسة الجمعية. طلبت مني الحضور في اليوم التالي لمقابلة الأميرة وحين أخبرتها أنني لست من سكان الرياض قالت لي أن الإدارة ستتواصل معي .. أنهيت المكالمة وأنا لا أزال متسمرة في مكاني وحين استوعبت كل شئ صرخت بأعلى صوتي من أجل هذا الانتصار! بعد عشر دقائق تقريباً اتصلت الأميرة نوف لتهنئتي وسألتني بعض الأسئلة حول الشعار, كانت مسرورة جداً حين علمت أنني من جازان وأخبرتني أن "قافلة الغد" ستكون متواجدة في جازان وسيكون تدشين الشعار وتكريمي في هذا الحفل, ارتحت جداً حين عرفت أنني لست مضطرة للسفر لأنني وقتها كنت مشغولة بتجهيزات ملتقى بيهانس في جازان.
بعد أيام وصلتني الدعوات الخاصة من الأميرة وحين جاء موعد الحفل جمعت حولي كل الأشخاص الذين ساعدوني للوصول إلى هذه المرحلة وخصصت الدعوات لهم, وعندما تسلمت الجائزة من أمير المنطقة قال لي بأن هذا إنجاز رائع كوني الفائزة من بين 250 مشارك, صراحةً لم أعرف عن عدد المنافسين إلا في تلك اللحظة!

يالها من تجربة! وفي الحقيقة لم يكن هذا الفوز لي لوحدي بل كان فوزاً للجميع لأن كل واحد منهم شارك في تحقيقه ولا أظنه كان ممكناً لولا هذا الحب الذي غمروني به, كل ما قدموه لي كان بدافع الحب وهذا ماجعلني أواصل للنهاية, سأبقى ممتنة لهم جميعاً .. لأمي وأبي وأخوتي وأخواتي وبنات أخي الجميلات وللصديقة بشرى ولمعلمي وليد .. كل الحب لكم :*




*لمن يرغب بمشاهدة التصميم, هذا هو التصميم الذي تمت المشاركة به:
https://www.behance.net/gallery/24965643/_ 
وهنا الشعار والهوية التي تم اعتمادها وتدشينها في حفل القافلة بجازان:
https://www.behance.net/gallery/31809675/_ 

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2015

امتلاء






ما زلت أتنفس ..
لكن أنفاسي هذا الصباح مثقلة
إنها مثقلة بالكلمات
داخلي ممتلئ بهذه الكلمات
لقد أصبحت متمردة .. لا يمكنني احتجازها أكثر
يكفي ..
أريدها أن تتحرر
إنني أطلقها مع أنفاسي
...
ها هي أصبحت طليقة .. أشعر بها في كل مكان
حولي ..
إنني أريدها أن تجد طريقها إليك
أن تسمعها ..
هل لك أن تسمعها؟
هل يمكن للهواء الذي يحيطني الآن أن يحيطك في المساء؟
لا أعلم .. ربما
إنه ممتلئ بي تماماً
سيبقى ممتلئاً بكلماتي
هذه الكلمات هي أنا
لكن .. 
لا أريدني حولي بعد الامتلاء
أريدني حولك
أن تمتلئ بي وامتلئ بك!

الأحد، 30 أغسطس 2015

إنسان..!






أنا الصديق في أعين الأصدقاء ..
أنا العدو في أعين الأعداء ..
أنا القريب في أعين الأقرباء ..
أنا الغريب في أعين الغرباء ..
أنا شبيهك ونقيضك .. الفضيلة والرذيلة .. الخير والشر .. الحب والكراهية .. التناغم والاضطراب .. السكينة والصراع ..

أنا الذي جمعتني كل الأضداد دون أن أجمعها .. أنا من كل شئ وفيّ كل شئ .. أنا إنسان!



إن كنت لا تعرفني فلا تنظر إليّ بأعين من عرفوني .. إن هذه الأعين قد حصرت ذاتها في إطار معين من الزمان تضعه أمامها لكي تستطيع تعريف من وما حولها!

إن كنت تعرفني فلا تُعرّفني تبعاً لذكرياتنا الماضية ولا آمالنا القادمة .. اللحظة فقط قد تكون هي التعريف الأمثل للإنسان .. وحتى اللحظة بعد لحظات تعود لتصبح ذكرى ماضية .. لذا لا تتعب نفسك في اختيار التعريف .. التعريفات تقيّدنا .. تجعلنا عبيداً لها .. لا تستطيع معها الاستمتاع بالجمال الكامن في الإنسان الذي أمامك!

الاثنين، 2 مارس 2015

تطوع







"أنا مع الحقيقة مهما كان من يقولها، وأنا مع العدل مهما كان من معه أو من ضده." - مالكوم إكس


في الأيام القليلة الأخيرة شهدت منطقة جازان الكثير من الأحداث الفارقة في مستقبلها بدايةً بإطلاق المنتدى الاقتصادي الأول وانتهاءاً بفعاليات إثراء الشباب الممتعة والمتفردة. وقد كان الشريك الأساسي لنجاح هذه الفعاليات هم شباب وشابات المنطقة المتمثلين في المتطوعين والمتطوعات, الذين خدموا المنطقة بكل ما وسعته أوقاتهم.

ولكي نفهم الدور الذي قاموا به علينا أولاً أن نتعرف على مفهوم التطوع من منظور عالمي.

أبسط تعريف للتطوع هو "تقديم ما تستطيعه Giving what you can" وبشكل أعمق فإن العمل التطوعي -كما عرّفته إحدى الجمعيات التطوعية في مدينة بريستول- هو "منح وقتك لقضية مهمة, لا تحصل من خلاله على مُرَتب ولكنك تحصل على فرصة لاستخدام مواهبك وتطوير مهارات جديدة واختبار المتعة التي تأتي من إحداث فرق حقيقي في حياة الآخرين أو حتى حياتك".


وبالتالي فإننا إذا نظرنا إلى المنتدى الاقتصادي فيمكننا القول بأنه قضية مهمة لاقتصاد المنطقة بشكل خاص وللمملكة بشكل عام, والمساعدة على إنجازه بأفضل صورة وخدمة رواده هو ما يدور حوله مفهوم التطوع. إن التجربة التي خاضها متطوعي ومتطوعات جازان كانت تجربة فريدة من نوعها كونها مُنَظمة من قبل واحدة من أكبر وأنجح الشركات في المملكة وهي أرامكو والتي تعتبر بيئة عمل تنظيمية إبداعية تحرص على أدق التفاصيل سواءً كعمل مؤسسي أو عمل تطوعي. هذه التجربة أكسبت الشباب والشابات العديد من الخبرات على مستوى التنظيم للفعاليات وإدارة العلاقات العامة والتعامل مع الجمهور وإدارة المحتوى الإعلامي وما إلى ذلك من الخبرات العملية التي قد لا تتوفر في كثير من بيئات العمل في المنطقة.

المنتدى خرج بالكثير من النتائج والخطط المستقبلية المشرقة والتي تداولتها جميع أنواع الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي ولكن الشئ الوحيد الذي تداوله "البعض" من أهالي المنطقة لم يكن حجم الجمال الذي وعدت به جازان وإنما حجم السوء الذي "عشعش" ونخر في عقولهم والذي أصبح كشريعة مقدسة لديهم, فلم يقدموا إلا سوء الظن الذي لا يعبر إلا عن نظرتهم السيئة ولم ينشغلوا إلا بتفسير النيات والبحث عن الزلات فيما يتعلق بالمتطوعات وعملهن في المنتدى.

مجتمعنا يثبت في كل مرة بأنه عدو للمرأة لدرجة أن المرأة أصبحت معادية لذاتها بتأييد ما يُقال عنها! وأثبت أيضاً بأن له نظرة قاصرة جداً عن التطوع وخاصةً فيما يتعلق بتطوع المرأة والذي تم وصفه بأنه "رفاهية" يمكن الاستغناء عنها. التطوع ليس رفاهية بل هو أسلوب حياة, هو العطاء الذي يمكن أن يقوم به أي شخص في أي مكان ولأي شئ وبأي أداة, التطوع يمكن أن يكون حتى بالكلمة كمثل المبادرات التطوعية لإثراء المحتوى التي تتركز على "ترجمة الكلمات".

علينا أن نوسّع نظرتنا وأنظارنا للعمل التطوعي حتى لا نكون جوقةً من العميان. علينا أن نفهم الحياة بكل أبعادها ونعرف أن ما بأيدينا ليس حِكر لجنس دون آخر. علينا أن نتأمل ونستخلص ونعرف الفوائد التي يمكن أن تنتجها مثل هذه الفعاليات حتى لا نكون مجتمعاً جاهلاً. علينا أن نفهم الدين بصورته الصحيحة ونطبقه بشكل صحيح بحيث لا نشكك في نوايا الآخرين ولا نفسر أهدافهم وتصرفاتهم تبعاً لأهوائنا وعواطفنا وألا نتداول ونُعمم مالا حقيقة له بظاهره أو باطنه حتى لا نكون من الفاسقين.

وأخيراً مهما يكن ما ومن شهدته فلا يمكنك القول عنه بأنه صحيح كلية أو خاطئ كلية لأن مهمتك هي أن تُحكّم ما بداخلك وتعمل على إصلاحه وليس أن تُحكم ما بداخل الآخر بظاهرٍ منك. الصواب والخطأ أمور نسبية وكذلك الخير والشر لذلك لم يُعطى الخير بالكلية للرجال مثلاً حتى يكونوا وحدهم المسؤولين عن عمارة الأرض ولم يُعطى الشر بالكلية للنساء ليتم نفيهن ووأدهن في قبور منازلهن.

نحن البشر عموماً نتكون من مزيج من المُتضادات, مزيج من الخير والشر, من النور والظلام, من الفضيلة والرذيلة, من الملاك والشيطان. وبرأيي أنك عندما تعبر عن استيائك من أحد المتضادات فإنك لا تعبر إلا عن استيائك من نفسك, وعندما تعبر عن استحسانك فإنك لا تعبر إلا عن استحسانك لنفسك. فاتجه لإصلاح نفسك قبل أن تُصلح العالم ولا تعتقد بأن هذه الأرض ملك لك أو لغيرك, المالك الله وهو من استخلفنا جميعاً من أجل تعميرها. وأنا كإمرأة لي دوري كما أنت كرجل لك دورك وكلاً منا يكمّل دور الآخر ولا يستنقصه ولا يعيبه.

الخميس، 1 يناير 2015

هوية






" معظم الناس يُعرّفون بالآخرين, أفكارهم هي آراء شخصٍ آخر, حياتهم ليست إلا تقليد ومشاعرهم ليست إلا اقتباس" -أوسكار وايلد.



(هذه التدوينة أسجلها كختام للعام الماضي وكبداية للعام الجديد لأن فكرتها جاءت في الساعات الانتقالية بين العامين, بعد أن استمعت لحديث الدكتور سعيد السريحي في محاضرته التي ألقاها بالنادي الأدبي البارحة)


بدايةً أنا لم أعرف من هو السريحي ولم أحضر لأنني أريد الحضور للسريحي وإنما حضرت فقط لأن عنوان المحاضرة كان ملفتاً "البحث عن هوية في عالم مختلف" وبحكم اهتمامي بالهويات التجارية وتكوينها "Branding أو الإيسام" فقد حركني فضولي للذهاب لعلني أستطيع أن أصل لقاعدة معينة تربط بين تكوين هوية الفرد وتكوين هوية المؤسسة. قاعدة أستطيع أن أسير من خلالها بثبات وليس لأفرضها على الآخرين.

ما كان يجذبني في الشركات, العالمية منها قبل المحلية, هو قدرتها على الرسوخ والتجديد في ذات الوقت, قدرتها على جذب جمهور متعدد الطبقات والإتجاهات والأفكار, كنت أفكر بأن ما يجعلها موجودة بيننا لسنوات ولم تنقرض هو أنها تقف على رؤية وأهداف واضحة وأن العاملين لديها يتشاركون هذه الرؤية ويعملون على تحقيق الأهداف.

لا أذكر بوضوح الكلمات التي قالها الدكتور في ورقة العمل التي ألقاها لأنها كانت كلمات أدبية ثقيلة وعميقة ولست من أهل الاختصاص رغم أنني أحبذ مخاطبة الناس بلغة بسيطة,  فالحضور برأيي يجب أن لا ينحصر فقط على "الثقافيين" لأن الأفكار تتوالد وتترابط مع بعضها من أي سربٍ جاءت لذا كلما كانت اللغة بسيطة كلما جذبت عدد أكبر من الجماهير. مع ذلك فهمت تقريباً أغلب ما أراد أن يوصله لنا واستطعت الوصول لفكرة ربما تعطي مفهوم واضح للهوية أو بالأحرى رسوخها -على الأقل بالنسبة لي-

أي شئ في العالم يتكون من كليات تتخللها الجزئيات والتفرعات الثانوية, عندما ترسم الهوية بطريقة مرتكزة على الجزء ولنقل في هذه الحالة مثلاً القضايا الحقوقية -بما أننا نتحدث عن الهوية الفردية- فإن هذه الهوية تتشتت تماماً حتى وإن كانت تحمل بعض من الثبات بداخلها. لكن عندما يرسم الإنسان هويته تبعاً للكل فإن هويته تبقى ثابتة وفي ذات الوقت تتقبل كل جديد يأتيها, هذا الكل الذي يُعرف الهوية هو الغاية أو الهدف من الوجود وما دونه هو فروع ثانوية تتبعه, بمجرد يتحقق الكل يتحقق الجزء وتبقى الهوية متكاملة ومتجددة في آن معاً وهذا هو ما حققته الشركات على مستوى العالم بتركيزها أولاً على الأهداف لا الأحداث.

لا تدع أي شخص يُعرّفك, لا تتبع أحد, لا تتبع الاتجاهات والتيارات المتناثرة, أنصت لداخلك, افهم نفسك, حدد أهدافك, هدفك يُعرّفك, غايتك من الوجود هي هويتك, هويتك العالمية.

الأحد، 9 فبراير 2014

خريطة!






"الناس يمنحون بعض المظاهر الثقافية الشكلية قيمة جوهرية ليست لها، فيظنون أن التغير في الملبس والمأكل والذوق الفني هو من الأشياء الخطيرة" -عبدالله الغذامي.



تخيل أنك في جزيرة تزورها لأول مرة في حياتك ولا تعرف عنها شيئاً سوى الخريطة التي تحملها بيدك. هذه الخريطة التي لديك تشير إلى كنز موجود في الجزيرة وأنت في الواقع قد جئت من أجله. حتى تستطيع الوصول إلى هذا الكنز ليس أمامك سوى خيارين إما أن تعتمد كلياً على شكلك وأناقتك التي في اعتقادك أنها سوف تُسعفك وتجعلك تقيم علاقات مع سكان الجزيرة لكي يرشدوك في النهاية إلى المكان الذي تريده أو أنك تبدأ بتحليل الخريطة وفهم جميع الطرق الموضحة عليها ثم بعد ذلك تختار الطريق الأفضل بينها جميعاً وتبدأ في سلوكه لتصل إلى مرادك. إذا كنت ستختار الخيار الأول فإنك وقتها سوف تدخل إلى متاهات كبيرة وقد تتعرض للنصب والاحتيال وهناك احتمالية كبيرة بأنك ستسلك العديد من الطرق الخاطئة في سبيل الوصول وربما قد لا تصل إليه!

القصة التي ذكرتها ليست إلا صورة تمثيلية للوسط الذي نحن فيه, أقصد الوسط الثقافي. الجزيرة تعبر عن هذا الوسط, الشخص الذي عليها هو المثقف, الخريطة تُمثل الثقافة, والطريق يُمثل الإدراك والكنز هو الوعي.
يقول راغب السرجاني: "أنت تقرأ لكي تستوعب كل كلمة تقرؤها، تقرأ كي تفيد وتستفيد، فالقراءة عملٌ عظيم، وليس لك من هذا العمل إلا ما عقلته". إذا كان الواحد منا يقرأ فقط لمجرد القراءة والحصول على مخزون أكبر من المعرفة فإنه إنما  يكون كمن يصنع قطاراً بمجموعة من العربات وينسى الماكينة الأساسية التي تجره وهو ما وصفه الدكتور مصطفى محمود بقوله: "قطار التطور لا يهم فيه عدد العربات التي يجرها إنما المهم هي الماكينه التي تجر, و هي ماكينة من سلندر واحد وهو (الوعي). إن الكثرة بدون وعي و بدون مادة (كثرة عاجزة)".

ولكن ما هو الوعي؟
الجميع تحدث عن الموضوع بإسهاب وبصورة عميقة دون الوصول إلى تعريف محدد وواضح للوعي, لذا سوف أقوم هنا بشرحه من منظوري البسيط الخاص بي وبإمكانكم البحث والتعمق أكثر إن رغبتم ذلك.
الوعي هو الحالة العقلية التي يصل إليها الإنسان بعد إدراكه (تطبيق + تكرار)  للمعرفة التي يملكها, تماماً كما في القصة.
ولنضع أمامنا هذه المعادلة البسيطة حتى يتضح المعنى بشكل أفضل:
معرفة + إدراك = وعي

من الطبيعي في أي معادلة أنه إذا اختلت المُدخلات التي لدينا فإننا لن نستطيع الحصول على المُخرجات المتوقعة, فإذا اختفت حالة المعرفة أو حالة الإدراك من المعادلة فلن تنتج لدينا حالة الوعي.

لماذا الحديث عن الوعي؟
يقول ديباك شوبرا: "الوعي هو الفيل الأبيض في الغرفة, تحتاج إلى الوعي لتأتي بنظرية, تحتاج إلى الوعي لتُصمم تجربة, تحتاج للوعي لتصنع مراقبة, العلم هو نسل الوعي, إنه نتاج الوعي".

الفئات الغالبة في المجتمع هي الفئات المُثقفة والمتعلمة في حين أن الفئة الواعية فئة قليلة جداً ولكنها هي التي تُحدث الفرق وهي التي تستطيع أن تصنع حضارة وتنهض بالأمة لأنها الفئة التي تفعل ما تقوله وليست التي تقول ما لا تفعله وهنا يكمن السر!

الأربعاء، 5 فبراير 2014

قُل لي ~ أرني ~ أشركني!






"إذا استطعنا أن نُدرك أهمية المشاركة فإن الحياة ستغدو أسهل وأجمل, وسيكون مرور السنين مليئاً بالإنجازات".  -نايف الزريق.



قرأت قبل مدة كتاب "ألف اختراع واختراع" هذا الكتاب غني جداً بمعلومات مدهشة كنت أجهلها ويتحدث عن العديد من الشخصيات التي برزت في "العصر الذهبي" وعن الكثير من الإنجازات التي حققوها في ذلك العصر, طبعاً لم أخصص هذه التدوينة للحديث عن الكتاب فقد لا تكفي إن أردت أن أفعل ذلك, ولكنني ذكرته كبداية لأنني عندما كنت أقرأه أشعر وكأنه يتحدث إلي ويخبرني بكل تلك القصص والأحداث العظيمة وكنت أثناء قرائتي أتمنى فعلاً لو أستطيع رؤية تلك الآلات والإختراعات والترجمات التي كان يحدثني بها الكتاب, لذلك قمت بتخزين هذه الأمنية كفكرة داخل عقلي وكان تركيزي بشكل أكبر على بيت الحكمة بسبب اهتمامي بالترجمة.



قبل أسبوعين حظيت بتجربة مشابهة بعض الشئ لما كنت أتمناه وأتخيله وكان ذلك أثناء زيارتي لخيمة ألف اختراع واختراع في برنامج أرامكو لإثراء المعرفة, كنت متشوقة جداً لرؤية ما كنت أقرأ عنه. في البداية عُرض هذا الفيلم القصير:




ورغم أنني شاهدته مرات عديدة من قبل إلا أنني شعرت بمتعة أكبر وأنا أشاهده مع تلك المجموعة المتنوعة من الأشخاص حولي. بعدها توجهنا للتعرف على العلماء وملامسة شخصياتهم ومخترعاتهم, كان تجسيد الشخصيات والاختراعات مبهراً جداً, وبمقدار السعادة التي غمرتني بهذه التجربة الجميلة فقد غمرني الحزن أيضاً!

السبب في هذه المشاعر المختلطة هو أنه قبل خوضي لهذه التجربة كنت قد شاركت نادي القراءة بالجامعة في تكوين الأفكار لأحد الملتقيات التي ينوي النادي إقامتها. كان اسم الملتقى "بيت الحكمة". أحببت فكرة الملتقى كثيراً وكنت أقول لنفسي أنها جاءت في وقتها تماماً وسيكون في الإمكان تطبيق الفكرة التي راودتني سابقاً ولو بصورة مبسطة في حال لاقت الإستحسان. بدأت من فوري في عرض الفكرة وشرحها بشكل مبدأي في صورتها العامة "قل لي - أرني - أشركني" وقد أعجبتهم بالفعل أو هكذا بدا لي! الأمر المحزن في الموضوع هو أنه بعد مدة تم التخلي عن فكرة الملتقى وتبديلها بفكرة أخرى أجدها في الواقع أقل نفعاً وليس في الإمكان مقارنتها بما يمكن لبيت الحكمة توفيره لنا من تنوع لا متناهي من الأفكار. كلما أشاهد ما يذكرني بالملتقى أشعر بالأسى عليه, ربما التخلي عن فكرة عظيمة كهذه يعود إلى قلة الإيمان بها وبنفعها وهذه مصيبة بحد ذاتها, لكنه يبقى التفسير المنطقي الوحيد الذي استطعت الوصول إليه بعد تحليل الأسباب. لا أرغب بالتفكير في الفائدة التي كان من الممكن تقديمها لأن هذا الأمر لم يعد يجدي, ولكنني أتمنى أن يستطيع "بحلته الجديدة" توفير ولو جزء يسير من الفائدة الكلية!

الأحد، 4 أغسطس 2013

ضغط الأقران







"نحنُ نخاف من آراء أصدقائنا أكثر من خوفنا من حراب أعدائنا." -شيلبي فوت.



الأقران يمكن أن يكونوا بمثابة مصادر قوة لتعزيز زيادة أو استمرارية السلوكيات, إلا أن هذه القوة يتم تركيزها غالباً في الإتجاه الغير مناسب؛ ويمتثل الفرد لما تسير عليه المجموعة سواءً كان مقتنعاً بذلك أو لا؛ وهذا هو ما يعرف بضغط الأقران { التأثير الذي تمارسه مجموعة الأقران أو المراقبون أو شخص ما لتشجيع الآخرين على تغيير الاتجاهات أو القيم أو السلوكيات بهدف الامتثال لمعايير المجموعة }.

الشباب هم أكثر الفئات تأثراً بأقرانهم وتعرضاً للضغط من قبلهم وهذا الإمتثال الحاصل من الفرد داخل المجموعة ينبع أساساً من مجموعة من المخاوف  كما شرحها إدوارد ويلش في كتابه "When people are big and god is small" حيث قال { نحن نخشى الناس لأن باستطاعتهم تعريضنا إلى الإهانة, نخشى الناس لأن باستطاعتهم رفضنا أو السخرية منا أو احتقارنا, نخشى الناس لأن باستطاعتهم مهاجمتنا أو قمعنا أو تهديدنا }. يُضاف إلى ما ذكره مجموعة أخرى من الأسباب تتمثل في رغبة الشباب أن يكونوا مقبولين ومحبوبين بالإنضمام إلى مجموعة مشهورة أو محببة حتى وإن لم تتوافق مع قيمهم, أو قد يكون نتيجة الفضول لتجربة شئ جديد, أو ربما بسبب الفكرة السائدة بأن "الكل يفعلون ذلك".
وهذا هو ما وضح فعلياً من خلال التجارب التي أجريت في الخمسينيات تقريباً { تجربة آش للإمتثال - تجربة المصعد للتأثير على سلوك الفرد }. "اضغط على اسم التجربة لمشاهدة الفيديو"


مثير كيف أن مجموعة صغيرة تملك مثل هذه القوة للتأثير على آرائك الشخصية والأكثر إثارةً هو سرعة استجابتنا لذلك! ما دامت بهذه القوة فلماذا لا يتم ممارسة الضغط بشكل مركز لإحداث التاثيرات الإيجابية التي نرغب في تأصيلها, لماذا لا يتم عكس مسار هذه المجموعات إلى المسار الصحيح ما دامت تضم بداخلها أفراد ينزعون إلى ذلك! هؤلاء الأفراد هم من يستطعيون القيام بهذه التحويلات فقط إذا تمت مساندتهم والتأثير عليهم لأنهم في الأصل غير مقتنعين تماماً بما هم عليه داخل المجموعة فيمكن استثمارهم لإحداث التغيير المطلوب.

نأتي بمثال بسيط: شاب ينتمي إلى مجموعة تمارس في الغالب أساليب من القيادة المتهورة والسرعة المفرطة, هذا الشاب مهما قاوم فإنه في النهاية سوف يرضخ لتطبيق نفس سلوكياتهم بسبب ما ذكرناه في الأعلى, لكنه يبقى يحمل في داخله عدم الموافقة الكلية؛ فلو جاء شخص ما أو مجموعة أخرى لدعمه ومساندته فإنه سيكون قادراً على التأثير على مجموعته لأن كل المخاوف السابقة سوف تختفي لوجود من هم في نفس مساره. وهنا يأتي دور المجموعات التوعوية في التأثير على هؤلاء الأفراد ليكونوا هم من يقود لا من يُقاد.

من الحلول العملية البسيطة التي يمكن من خلالها الوصول إلى هؤلاء الأفراد والتأثير عليهم هي تنفيذ فيلم بنفس طريقة التجارب أعلاه ولكن يكون متخصص في الموضوع المراد معالجته -كالمثال السابق- يتضمن الفيلم عدد من المجموعات ذات السلوكيات الإيجابية والتي تقوم بإظهار السرعة مثلاً على أنها أمر غير محبوب "not cool" وربطها ذهنياً بمعنى مُنفر.




نصيحة الختام:

"لا تدع أي شخص يعيقك, لا تدع أي شخص يضعفك, لا تسمح لأن تتعرض لضغط من الأقران يجعلك أقل مما أنت عليه. واحدة من أكبر المآسي في عصرنا هي استعداد الناس لإضعاف أنفسهم من أجل الآخرين. توقف عن السماح للآخرين بتحديد وضبط وتيرة حياتك". -ستيف ماربولي.

الأحد، 21 يوليو 2013

كفاية!








"هناك ما هو أكثر في الحياة من مجرد زيادة سرعتها." -غاندي.


سأبدأ هنا بذكر موقف قصير حصل قبل أيام, وليس الهدف منه تحريك العواطف أو ما أشبه لأن التوعية بالطرق العاطفية لا تفيد بشئ سوى "التأثير اللحظي" ولكنني أضعه كبداية لأنه ألهمني التكوين الأساسي لهذه التدوينة في الأمور التي -في اعتقادي- يجب الإلتفات لها.



ذهب أحد الأقارب في السيارة لأداء بعض المهمات وفي طريق العودة فاجئته إحدى السيارات لتصطدم به, بلطف الله كان اصطداماً يمكن احتماله والضرر لم يكن بليغاً, ترجل القائد ليقدم اعتذاره إليه, وإذا به شاب صغير أغلب الظن أنه "لم يبلغ العشرين", وبعد القليل من عبارات الإعتذار منه ومن والده -الذي تم الاتصال به- قرر الآخر أن يصفح عنه! *انتهى*

قد تبدو القصة قصيرة جداً وعادية بدرجة كبيرة جداَ وربما كانت من الأحداث المتكررة, وهي كذلك بالفعل! إلا أنها توحي إلى العديد من "إشارات الخطر" التي يتم تجاهلها باستمرار مما أدى -حسب ظني- إلى ما نحن عليه.

عندما نُقل إلي الخبر كان أول رد فعل لي هو "لماذا العفو!" قد تعتبرون بأنني قاسية بهذا الرد أو ربما غير مراعية لظروف الآخرين أو مهما يكن, لكن إذا نظرنا إلى الواقع فإن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى التهاون في حق الطريق هي غض الطرف وتهاون الفرد في المطالبة بحقه؛ والعفو هو الجزء الأول من هذا التهاون لأنه يُعَود الشخص على عدم الاهتمام وأنه لن يلحقه أي ضرر -مادي أو جزائي- في حال قام بتكرار فعلته ومن أمن العقوبة أساء الأدب! في حين لو أن كل من يتعرض لمثل هكذا مواقف يُبدي للمُخطئ رغبته في الحصول على حقه فإن ذلك سوف يجعله أكثر مراعاةً وحرصاً في المرات القادمة.

*وكتوضيح أنا لا أقصد عدم العفو مطلقاً وإنما يكون ذلك حسب تقديرات المواقف وبما يضمن عدم إسقاط الحق أو إهماله.

المسألة الأخرى وهي مسألة العمر والتي تضم نقاط وأهمها:
1- في المسؤولية: إذا نظرنا إلى الشاب هنا الذي "لم يبلغ العشرين" وتسائلنا لماذا هو المسؤول عن قيادة السيارة؟ فإن ذلك يقودنا إلى أمرين هما:
إما أن أهله مُترفين بالدرجة الكبيرة بحيث أنهم أهدوه سيارة في سن مبكرة ليلهو ويتفاخر بها, أو أن أهله لا يجدون شخصاً غيره يعتمدون عليه في آداء أعمالهم.

2- في الوفيات: يغلب على هذه الفئة العمرية "المراهقين" التهور والتسرع -طبعاً ذلك لا يعني التعميم على الجميع فالأمر يعود أولاً وأخيراً على مدى الوعي والذي ينقصنا جميعاً كباراً وصغاراً- هذا التسرع وعدم الفهم الصحيح للحياة أظنه السبب الرئيسي في أن 75% من الوفيات بسبب الحوادث هم من هذه الفئة!

3- في عدم فهم الحياة: بعض هؤلاء الشباب لا يعي ما هي قيمته الحقيقة ولا يستطيع أن يحدد ما هي أهدافه في هذه الحياة لأنه ببساطة لا يفهمها ولا يُقَدر نفسه ولذلك تجدهم غالباً غير مُباليين مُتسرعين ولا يهتمون لأحد, وقد تساعد الضغوط النفسية والمشكلات الأسرية أيضاً في زيادة هذا التكوين الخطير من عدم الفهم.

4- في السرعة: قد تكون السرعة أحياناً نتاج لعدم فهم الشاب لقيمته وأهميته وفي أحيان أخرى يراها الشاب جزء من تكوينه وهويته وأنها الموهبة الأمثل بالنسبة له وقد لا يستطيع الإستغناء عنها, أو قد يعتبرها البعض عادة مجتمعية لكثرة من يؤدونها من الأصدقاء من حوله. أما البالغين فتكون السرعة لديهم نتيجة التوتر والقلق وضغوطات العمل وما شابه.



بعد هذا التحليل البسيط للموقف السابق نستطيع أن نقدم بعض الحلول التي قد تتناسب معه:
1- كما ذكرت مطالبة الشخص بحقه حتى يفهم المخطئ أنه يوجد قانون وضوابط فيكون بذلك أكثر حرصاً على حق الطريق ومن فيه ولا يعود إلى تكرار أخطائه.

2- في النقطتين الأولى والثانية التي تحدثت فيها عن العمر قد تكون الإشارات فيها توحي إلى عدم التأييد بالقيادة لمن هم في هذه الفئة من العمر ولكنني تعمدت إيراد ذلك للتوصل إلى ذكر هذا الحل الذي قرأت عنه قبل فترة وهو عبارة عن مقترح لوزارة الداخلية بدبي بخفض سن الحصول على رخصة القيادة إلى 17 عاماً, وهنا اقتباس من أحد المقالات:
"أكد المدير التنفيذي لمؤسسة الترخيص في هيئة الطرق والمواصلات بدبي ، أحمد بهروزيان، أن خفض سن الحصول على رخصة قيادة إلى 17 عاماً مقترح مفيد في بعض جوانبه، بشرط أن يتم إقراره ووضع قيود تضمن تقليص أي نتائج سلبية، قد تترتب على السماح لهذه الفئة العمرية بقيادة المركبات. وأشار إلى قناعة مؤسسة الترخيص بضرورة وجود عدد من القيود، التي تحقق نوعاً من الرقابة ـ لمدة ثلاث سنوات ـ على السائقين المبتدئين، خصوصاً هذه الفئة العمرية. وأضاف أنه يجب في المرحلة الحالية فرض نوعين من القيود على الأقل، الأول وضع ملصق على سيارة المبتدئ من الفئة العمرية الصغيرة، تشير إلى أنه حديث العهد في القيادة، الأمر الذي يساعد على مراعاة السائقين الآخرين لوضعه ويحملهم مسؤولية التعاون معه، نظرا لأنه لايزال في الأطوار الأولى من اكتسابه الخبرة العملية في القيادة، والقيد الآخر لا يسمح للسائقين ـ من هذه الفئة العمرية ـ بقيادة السيارة على الطريق السريع، على الأقل في السنة الأولى، لاسيما أن الأرقام تشير إلى خطورة وارتفاع عدد الحوادث على الطرق السريعة، التي يرتكبـها السائقون المبتدئون. وأكد بهروزيان أهمية السماح لمن هم في سن الـ17، بالحصول على رخصة قيادة، حتى يتمكنوا من التدرب والتعود على القيادة قبل دخولهم الجامعة، التي تضطرهم إلى قيادة سيارة للتنقل بين الجامعة والمنزل. وأشار إلى أن حصول الشباب على الرخصة في سن الـ18، يلغي إمكانية إتاحة الوقت الكافي للتعلم، والاستعداد لقيادة المركبة قبل انتقالهم إلى المرحلة الجامعية."

3- بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من عدم الوصول لهوياتهم والفهم الخاطئ للحياة فإن التعامل معهم يكون عن طريق الدورات التوعوية والتنمية البشرية, فعندما نوصل للإنسان قيمته وهدفه في الحياة فإنه يكون أكثر تمسكاً بها وأكثر فاعلية واهتماماً, وتقديره الذاتي وحرصه على الحياة سيجعله يبتعد تدريجياً عن كل العادات السلوكية الخاطئة ومن ضمنها السرعة.
*إن كان لديهم مشاكل مع الأسرة فيجب أن تُشمل الأسرة في هذه الدورات.

4- الشاب الذي ينظر إلى السرعة على أنها موهبة فمن الأولى أن توفر له السُبل لرعاية هذه الموهبة لأنه في الواقع لن يتمكن من الإبتعاد عنها مهما حاول لأنها قد تكون الشئ الوحيد الذي يُعَرفه, ومن أهم السبل هي تخصيص حلبة سباق بحيث يُمارس فيها هوايته بعيداً عن إلحاق الضرر بالآخرين.

5- أما من ينظرون إليها على أنها عادة فهم بالطبع قد اكتسبوها من محيط الأصدقاء أو المجتمع وبتكرارها فقد أصبحت بالفعل عادة لديهم وحتى يستطيعوا التخلص منها عليهم استبدالها بعادة أخرى جديدة والفترة بين استبدال واكتساب عادة غالباً لا تقل عن 41 يوم وبعض العلماء قدرها ب60 يوم, ويكون ذلك بالإنتقال التدريجي وليس الإنتقال دفعة واحدة.

الحلول كثيرة ولا يمكن حصرها هنا ولكنني اكتفيت بذكر هذه المجموعة البسيطة بحسب الموقف الذي ذكرته في المقدمة.



أخيراً: كحملة توعوية من الأفضل التركيز على هذا الجانب وهو "التوعية" ومخاطبة العقل لأن ذلك يعطي الأثر العميق, في حين أن مخاطبة العواطف بنشر مقاطع لحوادث حصلت هنا وهناك فإنها لا تفيد بأي شئ سوى الأثر اللحظي كما أنها -في نظري- تزيد الأمر سوءاً لأنها تشحن الأذهان بكمية كبيرة من الطاقة السلبية وتجعل تركيزهم الأكبر هو على هذه الحوادث مما قد يؤدي إلى كثرتها "قانون الجذب" ويبتعد تركيزهم عن الهدف الأساسي من الحملة وهو الوصول إلى الحلول الصحيحة والسليمة التي يسهل تطبيقها, لذا أرجو أن يبتعد الجميع عن نقل مثل هذه المقاطع أو تصويرها وليجعلوا تركيزهم في الهدف الإيجابي والأسمى.

الخميس، 9 مايو 2013

أنت + السبب = لتتفاءل!






إننا نحن من يغذي روح العالم، وستكون الأرض التي نعيش فوقها أفضل أو أسوأ تبعاً لحالتنا نَحن! -باولو كويلو.



أثناء سيرنا في هذه الحياة نعتقد بأننا نمر خلال مسارات عديدة, وأن أمامنا الكثير والكثير من الطرق لنسلكها, لكن في الواقع هي ليست سوى مسارين إما مسار صحيح أو مسار خاطئ. بالطبع ليس بالضرورة أن ما تعتبره خاطئاً أو صحيحاً هو كذلك لدى الآخرين.

جميعنا وقف ويقف وسيقف في لحظة ما ليختار الطريق الأمثل بالنسبة له تبعاً لقناعاته الخاصة. الجميل أننا من نملك الخيار لنفعل ذلك والأجمل أننا من نتحكم في جميع الأسباب التي ستساعدنا للوصول إلى مسارنا المرسوم! الله سبحانه وتعالى سخر للإنسان كل ما هو موجود في هذا الكون لخدمته, فقط لمن يسعى لتحقيق ذلك, يقول الله عز وجل: "وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

الكون بمجمله -بطاقته العظمى- غير واقع ضمن إدراكنا التام لكنه واقع ضمن تحكمنا, هذه الطاقة أيضاً لها مسارين طبيعيين إما مسار إيجابي أو مسار سلبي. هذين المسارين يستجيبان تبعاً لحالة الإنسان, إن كان يعمل على التركيز والتمحور حول المشاكل والضغوطات والمخاوف وخلافه فإن المجال المحيط به سيكون ممتلئ بالطاقة السلبية وسيجذب لحياته أشخاص سلبيين, مواقف سلبية, بطريقته في التفكير, طريقته في التعبير, في التعامل, في كل شئ "وشبيه الشئ منجذب إليه!" وبالتالي فإنه سيتوقف عن السير نحو أهدافه وسيبقى عالقاً لفترة طويلة في هذه "الأجواء السيئة"!

أما إذا كان تركيز الإنسان على التفكير الإيجابي فأصغر التفاصيل سوف تعطي فارقاً كبيراً! تحدث بإيجابية, تفاعل بإيجابية, ابحث عن الأشخاص الإيجابيين لتشحن طاقتك منهم, وإذا لم تجد ابحث عن الإيجابية في الآخرين, كن هذا الشخص وساعد المتشائمين بتحويل تركيزهم إلى الأمور الأهم والأجمل في حياتهم. ضع أهدافك الخاصة وكن دائم التركيز عليها لأنها ستساعدك بالتأكيد على البقاء إيجابياً ما دمت تسعى لتحقيقها!

حتى تغذي العالم بشكل أفضل كُن في أمثل حالاتك, كل شئ يقع تحت سيطرتك, أنت تملك الخيار والأسباب لفعل ما تريد فلتكن إيجابي ولتتفائل!


الثلاثاء، 19 فبراير 2013

من المسؤول؟








"المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها .. و العباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ!" -ألبرت آينشتاين.



قبل فترة كنت أقرأ في إحدى روايات الكاتب البرازيلي باولو كويلو "Aleph", أثناء زيارته لتونس كان برفقته هو وزوجته أحد السكان المحليين ليطلعه على المكان. خلال تجوالهم مروا أمام أحد القصور التي شُيدت عام 1754م. حكى الدليل لهما السبب وراء بناء هذا القصر وهو أن رجلاً قتل أخاه فقام والدهما ببناء القصر كمدرسة إحياءً لذكرى ولده المقتول. قال باولو معلقاً أن هذا بالتأكيد سيحتفظ أيضاً بذكرى الرجل الذي ارتكب الجريمة. أجابه الدليل "ليس بالضبط. في ثقافتنا المجرم يتشارك بذنبه مع كل هؤلاء الذين سمحوا له بارتكاب الجريمة. عندما يُقتل رجلٌ ما فإن الشخص الذي باع السلاح هو أيضاً مسؤول أمام الله. الطريقة الوحيدة لكي يُصحح الأب ما كان خطأً منه هي بتحويل هذه المأساة إلى شئ يفيد الآخرين".

عندما سمعت بما حدث للطفلة رهام لأول مرة لم أستطع سوى أن أتذكر هذه القصة. كُنت أتسائل كما الجميع من هو المسؤول خلف ذلك؟ وما الذي يجب فعله بعد كل ما حصل؟ وقد شعرت بالألم فعلاً حين أدركت حقيقة الأمر. عندما ننظر لمثل هذه المشاكل الكبيرة أو كما يقول عنها البعض "كوارث" ونتفحصها يظهر لنا أنها قد نشأت أساساً نتيجة لتراكمات عديدة, مشاكل صغيرة تراكمت على مر السنوات لتتفجر في النهاية "القنبلة الكبيرة". لذلك أعتقد أن ما نحتاجه بدايةً هو العودة إلى الجذور الأصلية لهذه المشكلة, إلى مجموعة المشاكل التي أحدثت هذه النتيجة بالنهاية. عندما يتم تحليل الموقف بدقة نستطيع أن نحدد ما الذي نحتاجه بالضبط لتصحيح الوضع واقتراح حلول جذرية ومفيدة تخدم الجميع على  مدى السنوات المقبلة بإذن الله. وأعتقد بأن هذا هو ما سيمنح هذه الطفلة البريئة القدرة على الإبتسامة مجدداً وسيرسم البسمة أيضاً على وجه كل رهام أتت وسوف تأتي لهذا العالم.

من المسؤول؟ سؤال كبير يُطرح والجواب أكبر من أن يُحد بمجموعة معينة من الأشخاص, فالكل هنا بلا استثناء قد شارك فيما حصل بشكل أو بآخر, طبعاً بدرجات مُتفاوتة لكن يبقى أننا جميعاً من تسبب بذلك. نعم أنا وأنت والمجتمع بأجمع له يدٌ في ذلك, كما قال الدليل في القصة "المجرم يتشارك بذنبه مع كل من سمحوا له بارتكاب الجريمة" ونحن مع الأسف قد سمحنا ومهدنا الطريق لحصول ذلك بكل سهولة. قال لوثر كينغ مقولة قوية جداً بهذا الخصوص "المصيبة ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار", عندما يتوقف أحدنا عن المطالبة بأبسط حقوقه فهو بذلك قد شارك بجزء من تكوين المشكلة, هو قد لا يكون واعياً لذلك لكن هذا هو ما يحصل بالفعل!

حين قمت بتحليل ما حصل -حسب نظرتي الشخصية- توصلت إلى بعض الأسباب التي أدت في النهاية لهكذا مشكلة سأحاول طرحها بطريقة السبب والعلاج وأرجو ألا أكون قد أغفلت أي جزء:
1- برأيي أن أول سبب ساهم بالقدر الكبير فيما حصل هو قلة الوعي لدى الأفراد, كشخص بالغ مسؤول عن نفسي والأعظم من ذلك مسؤول عن أسرة, أقل شئ يجب علي الاهتمام به هو الحالة الصحية, من ناحية الصحة ومن ناحية الحقوق, إذا كنت أنا أو أحد أفراد أسرتي أعاني من أحد الأمراض وراثية أو خلافه فما يجب علي فعله هو أن أكون واعي تماماً بهذا المرض من كل جوانبه, يجب علي أن أقرأ قدر المُستطاع حوله, وإن كنت لا أستطيع القراءة أستعين بأي شخص يساعدني للوصول إلى المعلومة ولا أعتقد بأن أحداً قد يتوانى عن فعل ذلك. هذا من الناحية الصحية, أما من الناحية الحقوقية فيتوجب علي كمريض أن أكون على معرفة تامة بكافة حقوقي التي أستحقها, أبسطها أن أتتبع كل ما يجري حولي داخل غرفة الطبيب وألا أغفل عن أي شئ أو أجلس "مثل الأطرش في الزفة" أهز فقط برأسي بالإيجاب في حين أنني لا أعي ما يُقال أو ما يوصف لي من علاج! إسأل عن كل ما يحدث حولك وعن كل ما يُقال وعن كل إجراء يجب اتخاذه, عن مدى الأمان, عن البدائل, باختصار إسأل عن كل شئ.
2- سبب آخر وهو مهم بقدر أهمية السبب الأول, هو الفحص الطبي قبل الزواج, العديد من هذه الأسر قد تجنبت بشكل أو بآخر هذا الإجراء أو قد تكون تغاضت عن النتائج التي تم التوصل إليها. مع أنه يعتبر هو الحل الآمن والذي سيمنع بإذن الله وجود مثل هذه الحالات المرضية. حيث يهدف الفحص الطبي كما أوضحت وزارة الصحة إلى:
·        الحد من انتشار بعض أمراض الدم الوراثية(الثلاسيميا-المنجلي) وبعض الأمراض المعدية(التهاب الكبد ب/ج) ونقص المناعة المكتسب (الإيدز).
·        التقليل من الأعباء المالية الناتجة عن علاج المصابين على الأسرة والمجتمع .
·        تقليل  الضغط على المؤسسات الصحية وبنوك الدم .
·        تجنب المشاكل الاجتماعية والنفسية للأسر التي يعاني أطفالها.
·        رفع الحرج الذي لدى البعض في طلب هذا الفحص.
·        نشر الوعي بمفهوم الزواج الصحي الشامل.
3- من الأسباب تراكم الشعور بالذل والمهانة على مدى السنين والإحساس بالتفرقة بيننا وبين البقية, والمصيبة الأكبر هو اعترافهم بذلك حين تحدث البعض ليقول "لأننا مواطنين من جازان!" إن كنت ترى بأن من حولك ينتقص من حقك لا يعني ذلك أن تؤكد له ما يفكر فيه, لما لا نقوم بما نقتنع به فعلاً لنُغير من نظرة هؤلاء إلينا! لماذا علينا الحديث بما يتوقعونه عنا, لما لا نتحدث بما نتوقعه نحن عن أنفسنا!
4- المُساعدة العمياء! عندما يتقدم شخص بالمساعدة من جانب الشفقة وهو في الواقع غير مُقيم لتصرفاته فرجاءً لا أحد يحتاج لشفقتك المُميتة! إن أردت حقاً تقديم المُساعدة فتعلم أولاً كيف عليك أن تتصرف في مواقف مُشابهة وما هو القرار الذي يجب عليك اتخاذه ومتى, لكن أن تٌقدم على خطوات "اسمح لي بتسميتها غبية" فشكراً لاهتمامك لكن هذا لا يلزمنا!
5- أحد الأسباب أيضاً هو الجهود المُبعثرة هنا وهناك, وخاصةً فيما يتعلق بالفرق التطوعية, لست أرى صراحةً أي جدوى من هذا التبعثر لكل هذه الفُرق, لما لا تكون جميعها فريقاً واحداً وتعمل تحت خطة عمل موحدة, عندها يستطيعون إنجاز الكثير والوصول لعدد أكبر من الأسر التي تعيش في مثل حالة أسرة رهام وربما أسوأ, ويمكنها بذلك تدارك العديد من المشكلات قبل تفاقمها. وأضعف الإيمان هو المساهمة بنشر الوعي والتثقيف لأفراد هذه الأسر إن لم يكن بالإستطاعة تقديم المساعدة المادية.
*بالنظر إلى المساهمة التي قام بها بعض الشباب لمساعدة أسرة الطفلة فأنا أقدرها حقيقةً وأشكرهم لذلك, لكن لماذا علينا دائماً أن نتحرك بعد وقوع المشكلة؟ لما لا نحاول ولو مرة التفكير كعبقري ومنع المشكلة قبل بدايتها!
6- عدم الاهتمام الجدي بالتثقيف والقراءة, من قبل الأفراد والمجتمع على حد سواء, ما نحتاج إليه هو وجود مكتبة مُهتمة بذلك, لا أقصد مكتبة لبيع الكتب لأن البعض قد لا يستطيع تحمل تكلفة شراء كتاب, لذلك لما لا يكون لدينا مكتبات عامة تضم الكتب التي تُهم المجتمع وتفيد أفراده ويستطيع أي شخص أن يستعير الكتاب الذي يريده أو حتى يكون له مساحة مخصصة داخل المكتبة ذاتها لكي يقرأ ما يريد دون أن يُطالب بدفع شئ مقابل ذلك!
7- الرضا والإقتناع. الغالبية العظمى -وإن كنت أستطيع تقديم إحصائية فسأقول 80% تقريباً- راض تماماً عن الأحوال التي من حوله, لا يُحاول البحث أو المطالبة بأبسط حقوقه, لا يُقدم أي شكوى, لا يفعل أي شئ فيما يخدم مصلحته الخاصة, وكل ما يستطيع ترديده هو "احنا بخير, أحسن من غيرنا" لا تقارن نفسك فقط بمن هم أقل منك, أيضاً قارنها بمن هم أفضل منك حتى تتطور, كيف تتوقع من نفسك أن تعيش بكرامة إن كُنت لا تُحقق هذه الكرامة لنفسك! لا ترض أبداً بما هو دون المستوى.
8- الإهمال, إنعدام الأمانة, إنعدام الحس بالمسؤولية ... والعديد مما قد تحدث عنه الأغلبية, أعتقد أن الأمر ناتج عن برمجة مُعينة اعتاد عليها المُجتمع, نتاج منظومتين كبيرتين هما التربية والتعليم -مع الأسف- فإلى الآن لا نزال نرى نماذج عديدة من المعلمين وأولياء الأمور على حد سواء ممن هم ليسوا على قدر من المسؤولية, وغاب عن وعيهم أنهم هم الأساس والقدوة لكل هؤلاء الذين يتخرجون على أيديهم. إن كان من تعتبره قدوة لك لا يُطبق شيئاً من المعايير الأخلاقية وكل ما يفعله هو تكرار أفعال يمكن القول عنها بأنها غير مسؤولة فلا عجب صراحةً فيما نراه الآن. ما يجب أن يحصل هو إعادة تأهيل هؤلاء المعلمين والأولياء ليكونوا أشخاص أهل للثقة "الأخلاقية" وأرى بأنه من المُفترض أن يٌدرج من ضمن المناهج -بدءاً من أول سنة دراسية وحتى آخر سنة جامعية- منهج خاص بالأخلاق وآخر خاص بالحقوق.

على الأرجح هذه هي مُجمل الأسباب المُتراكمة التي تؤدي لمثل هذه المشاكل وربما أكبر وإن لم يتم التعامل معها بجدية والإسراع بتطبيق الحلول المُناسبة فإن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد. يجب علينا الإستفادة من مثل هذه الأزمات وتحويلها إلى فرص, يجب أن "نحول هذه المأساة إلى شئ يُفيد الآخرين".

أخيراً سأتطرق إلى التعليق على بعض ردود الفعل:
1- الغضب الذي اجتاح الجميع وهو أمر جيد حقاً أن تغضب لأجل هكذا قضايا وتتفاعل معها, لكن هُناك من سمح لغضبه الزائد بأن يقوده إلى الإتجاه الخاطئ, أقرب مثال والذي أسائني كثيراً هو ما يقوم به البعض من السب والشتم والدعاء على الأشخاص المسؤولين عن الحادثة أو على الأشخاص الذين يُخالفوهم رأياً, بالعموم الأشخاص الذين تعرضوا بالإسائة. حين نُفكر في كيفية تعاملنا مع هكذا مواقف يجب علينا دائماً أن نسأل أنفسنا كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعامل مع مثل هذه المواقف؟
عندما تعرض الرسول للسب والشتم من قومه وعندما آذوه وطردوه, لم يرد لهم الإساءة بإساءة أخرى بل إنه دعا لهم في قوله (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) هذا كان تعامله مع الكافر فما بالك بالمسلم!
2- مبدأ الكراهية والحقد للمُخطئ وهو مبدأ غير صحيح أبداً وليس من الإسلام في شئ. من المُمكن أن أكره الخطأ الذي وقع فيه وأستنكره لكن أن يتحول هذا إلى الشخص ذاته وإلغاؤه من القائمة فهذا التصرف غير سليم بتاتاً. يبقى الإنسان فيه خير ويبقى لديه جوانب إيجابية وأعمال جيدة تشفع له وإن كان قد اقترف خطأً كبيراً, يُعاقب على ذلك الخطأ من قبل القانون على قدر الخطأ الذي ارتكبه ولكن لا يتم محوه كلياً.
3- لا يُهمني أمر الوزير ولا الذين تسببوا بالخطأ, ما يُهم فعلاً هو التعويض عن هذه الخسائر وهو الأمر الذي كان يجب علينا التشديد بالمُطالبة به, تحسين الأوضاع, بناء مشاريع جديدة كإنشاء مُستشفيات جديدة كلياً بكوادر طبية مؤهلة "تعمل وتتجنب الخطأ قدر المستطاع" وإغلاق السابقة نهائياً والمُطالبة بكل ما يقدم العناية الأفضل للفرد في مجتمعه.